في سياق الجهود الدولية لإعادة إعمار لبنان وإنعاش اقتصاده المتدهور، تصاعدت الضغوط من الولايات المتحدة ودول الخليج على الحكومة اللبنانية بقيادة الرئيس جوزيف عون ورئيس الوزراء نواف سلام، وذلك بشرط تنفيذ خطة نزع سلاح حزب الله بالكامل. هذا المطلب يأتي في وقت حساس، حيث كان لبنان يأمل في استقطاب المغتربين والسياح هذا الصيف لتعزيز اقتصاده، إلا أن البلد يجد نفسه مجددًا على حافة أزمة سياسية وعسكرية جديدة.
الضغط الدولي والإقليمي على لبنان
أعلنت الولايات المتحدة ودول الخليج أن أي أموال لإعادة الإعمار أو استثمارات لدعم لبنان بعد سنوات من الحرب والأزمات الاقتصادية ستظل مرهونة بنزع سلاح حزب الله. وفي هذا السياق، شدد المبعوث الأمريكي إلى لبنان، توم باراك، على استعداد واشنطن للوساطة في عملية تفكيك الحزب كقوة مسلحة خارج إطار الدولة، مشيرًا إلى أن هذا يعد شرطًا أساسيًا لتنفيذ أي خطوات اقتصادية مهمة، بما في ذلك إعادة الإعمار والتمويلات الاستثمارية.
كما أكدت دول الخليج، مثل السعودية والإمارات والكويت، أن تنفيذ هذا المطلب سيكون أساسيًا للمضي قدمًا في أي خطة لدعم لبنان، إذ يعتبرون أن التحكم الكامل في الأسلحة يجب أن يكون بيد الدولة اللبنانية فقط، بما يضمن استقرار البلاد والحد من النفوذ الإيراني المتمثل في حزب الله.
الرد اللبناني وحزب الله
من جانبهم، أبدت الحكومة اللبنانية استعدادها لبحث هذه المطالب، حيث أعلن رئيس الوزراء نواف سلام أن الحكومة قد طلبت من الجيش اللبناني تقديم خطة بحلول نهاية الشهر الجاري، تقضي بتفكيك جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة بحلول نهاية 2025. وكان الرئيس عون، القائد العسكري السابق، قد تعهد بذلك في مناسبات عدة، وذكر الحزب بالاسم كجزء من عملية الحل السياسي.
لكن حزب الله، الذي يشكل جزءًا أساسيًا من الحياة السياسية اللبنانية ولديه جناح مسلح قوي، رفض هذه المطالب. فقد أكد نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله، أن الحزب لن يتراجع عن سلاحه، مشيرًا إلى أن الحزب يعتبر هذه الضغوط “خطيئة” سياسية، ويشدد على أن نزع السلاح سيعرض الطائفة الشيعية في لبنان لخطر كبير، سواء من إسرائيل أو من متشددين سُنّة في سوريا.
المواقف المتضاربة: الاستقرار مقابل السيادة
بينما يرى بعض المسؤولين اللبنانيين أن نزع سلاح حزب الله قد يؤدي إلى مزيد من الاستقرار في البلاد ويعزز سيادة الدولة، فإن آخرين، بما في ذلك أعضاء في حزب الله، يعتقدون أن هذا القرار سيترك لبنان مكشوفًا أمام تهديدات كبيرة، خاصة من إسرائيل. ومن جهتها، فإن إسرائيل تواصل استهداف مواقع داخل لبنان، مما يزيد من تعقيد الأوضاع الأمنية، ويخلق توترات إضافية بين الحكومة اللبنانية وحزب الله.
دور دول الخليج في إعادة الإعمار
إذا تم تنفيذ خطة نزع السلاح بنجاح، فإن لبنان قد يواجه فرصة كبيرة للحصول على دعم اقتصادي هائل من دول الخليج، التي قدمت في السابق مساعدات للبنان بقيمة مليارات الدولارات. على سبيل المثال، قدمت دول الخليج للمجتمع اللبناني حوالي 9 مليارات دولار بين 1963 و2022، بالإضافة إلى قروض استثمارية هائلة لدعم المشاريع التنموية والإنمائية.
لكن كما ذكر علي الشهابي، الكاتب السعودي والمعلق المقرب من الديوان الملكي، فإن المملكة العربية السعودية لا ترغب في الاستثمار في “حفرة سوداء” في إشارة إلى أن لبنان يجب أن يتخذ خطوات جادة لتحقيق الاستقرار الداخلي قبل أن تستثمر دول الخليج في إعادة الإعمار.
ويتضح أن المأزق الذي يواجه لبنان اليوم هو نتيجة التحديات السياسية الداخلية، حيث لا تزال القوى السياسية الكبرى في البلاد، بما في ذلك حزب الله، تتباين حول مستقبل سلاح الحزب. في الوقت نفسه، تواجه الحكومة اللبنانية ضغوطًا متزايدة من المجتمع الدولي والإقليمي لتلبية الشروط الاقتصادية والسياسية التي تعتبر أساسية لضمان استقرار لبنان.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72280