الجمعة، 11 سبتمبر 2026 خبر موثوق.. رؤية أوسع

مختصون في علم النفس: نظرية التعلق تفسر نجاح العلاقات وفشلها

شارك

واشنطن – اكتسبت “نظرية التعلق” مكانة متزايدة في النقاشات المتعلقة بالعلاقات الشخصية خلال السنوات الأخيرة، بعدما أصبحت مصطلحات مثل “التعلق القلق” و”التعلق التجنبي” و”التعلق الآمن” شائعة على منصات التواصل الاجتماعي، إلا أن مختصين في علم النفس يؤكدون أن هذه الأنماط لا تمثل سمات شخصية ثابتة، بل سلوكيات قابلة للتغير والتطور مع مرور الوقت.

ويقول الطبيب النفسي وأستاذ الطب النفسي المشارك في جامعة كولومبيا، أمير ليفين، إن كثيراً من النقاشات الدائرة حول نظرية التعلق ابتعدت عن أساسها العلمي، موضحاً أن أنماط التعلق تتأثر بالتجارب الحياتية وبالأشخاص الموجودين في حياة الإنسان، وقد تختلف من علاقة إلى أخرى.

وأشار ليفين إلى أن هذه الأنماط “تتغير باستمرار وفقاً للتجارب والعلاقات”، مؤكداً أنها لا تحدد مصير الإنسان العاطفي بصورة نهائية، وإنما تعكس طريقة تفاعله مع الآخرين في مرحلة معينة من حياته.

وجاء اهتمام ليفين بالنظرية بعد تجربة شخصية عاشها في أواخر الثلاثينيات من عمره، عندما انتهت علاقة عاطفية بصورة مفاجئة، بالتزامن مع تدريبه في الطب النفسي، حيث اطلع على أبحاث تناولت أنماط التعلق لدى البالغين، وهو ما ساعده، بحسب وصفه، على فهم أسباب فشل العلاقة بصورة أعمق.

وتقسم النظرية أنماط التعلق إلى أربعة أنواع رئيسية، هي:

– التعلق الآمن: يتميز بالثقة في الآخرين والقدرة على الجمع بين القرب العاطفي والاستقلالية.

– التعلق القلق: يتسم بالحاجة المستمرة إلى التقارب والخوف من الرفض أو الهجر.

– التعلق التجنبي: يفضل فيه الشخص الاعتماد على نفسه والحفاظ على مسافة عاطفية حتى مع المقربين.

– التعلق غير المنظم: يجمع بين الرغبة في التقارب والخوف منه نتيجة تجارب متناقضة.

وتشير دراسات إلى أن الشعور بالأمان العاطفي يعد العامل الأكثر أهمية في نجاح العلاقات، لأنه يعزز الثقة والتواصل الصادق والالتزام طويل الأمد بين الأطراف.

وأوضح ليفين أن فهمه لهذه الأنماط جعله يدرك أن الأشخاص لا يحبون بالطريقة نفسها، وأن لكل فرد احتياجات مختلفة فيما يتعلق بدرجة القرب العاطفي، وهو ما دفعه إلى تأليف كتاب “Attached” الذي حقق انتشاراً واسعاً منذ صدوره عام 2010، إذ بيع منه أكثر من ثلاثة ملايين نسخة، وتُرجم إلى أكثر من أربعين لغة.

لكن مع انتشار النظرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المواعدة، يرى ليفين أن كثيراً من المفاهيم المرتبطة بها تعرضت للتبسيط المفرط، ما أدى إلى انتشار تصورات غير دقيقة حول طبيعتها.

ويؤكد أن أنماط التعلق لا تقتصر على العلاقات العاطفية، إذ يمكن أن يختلف أسلوب الشخص في التعامل مع شريك حياته عن علاقته بأفراد أسرته أو أصدقائه أو حتى زملائه في العمل.

ولمساعدة مرضاه على فهم ذلك، طور ليفين استبيانات تقيس نمط التعلق في كل علاقة على حدة، انطلاقاً من فكرة أن الإنسان قد يشعر بالأمان مع شخص، بينما يتصرف بقلق أو تجنب مع شخص آخر.

كما يشدد على أن الطفولة ليست العامل الوحيد الذي يحدد نمط التعلق، رغم تأثير العلاقة مع الوالدين في السنوات الأولى من العمر.

وأظهرت دراسة حديثة أجرتها الباحثة كيلي دوغان من جامعة ميزوري، وشملت متابعة 705 أشخاص منذ تسعينيات القرن الماضي، أن العلاقات المبكرة مع الأمهات تؤثر في النظرة العامة للعلاقات الوثيقة، بينما ترتبط صداقات الطفولة بدرجة أكبر بطريقة بناء الصداقات والعلاقات العاطفية في مرحلة البلوغ.

وتشير أبحاث أخرى إلى أن التجارب التي يمر بها الإنسان لاحقاً، مثل العلاقات المستقرة أو الخيانة أو الإساءة أو الفقدان، يمكن أن تعيد تشكيل نمط التعلق لديه، سواء نحو مزيد من الأمان أو العكس.

ويرى ليفين أن نجاح العلاقة لا يشترط أن يكون كلا الشريكين من أصحاب نمط التعلق الآمن، إذ يمكن لشريك واحد يتميز بالثبات والتجاوب والاعتمادية أن يسهم تدريجياً في خلق علاقة أكثر استقراراً للطرفين.

لكنه يوضح في الوقت نفسه أن ذلك لا يعني قدرة الطرف الآمن على إصلاح علاقة غير صحية بمفرده، وإنما يمكنه فقط المساعدة في توجيهها نحو مسار أكثر توازناً إذا توفرت الرغبة المتبادلة في التغيير.

كما يلفت إلى أن التأثير الأكبر على الشعور بالأمان لا يأتي دائماً من الأحداث الكبرى، بل من التفاعلات اليومية الصغيرة التي تتكرر باستمرار، مثل الإهمال أو الرفض أو غياب الاهتمام، والتي يعيد الدماغ من خلالها تقييم شعوره بالقبول والانتماء.

ويضرب أمثلة بمواقف بسيطة، كطفل يُستبعد من اللعب مع أقرانه، أو شخص مسن لا تتم دعوته للمشاركة في نشاط اجتماعي، مؤكداً أن الدماغ يتعامل مع هذه الخبرات بوصفها إشارات تؤثر في الإحساس بالأمان والانتماء.

ويركز ليفين في أبحاثه الحديثة على بناء ما يسميه “العلاقات الآمنة” من خلال خمسة مبادئ أساسية، تتمثل في الاستمرارية، والتوافر، والاستجابة، والاعتمادية، والقدرة على التوقع، وهي مبادئ يختصرها بالمصطلح الإنجليزي CARRP.

ويؤكد أن الإنسان يستطيع تغيير نمط تعلقه عبر تكرار الخبرات الإيجابية وبناء علاقات مستقرة مع أشخاص يتصفون بهذه السمات، مشيراً إلى أن دراسات علم الأعصاب أثبتت أن الدماغ يحتفظ بقدرته على إعادة تشكيل نفسه طوال مرحلة البلوغ، وأن العلاقات الآمنة يمكن أن تعيد تنظيم الدوائر العصبية المرتبطة بالخوف والثقة وتنظيم المشاعر.

ويختتم ليفين بالقول إن فهمه لنظرية التعلق لم يغير فقط نظرته إلى الحب، بل غيّر أيضاً طريقة اختياره لشريكة حياته وإدارته لعلاقته الحالية، التي استمرت لأكثر من اثني عشر عاماً، مؤكداً أن بناء علاقات أكثر أماناً يمكن أن ينعكس إيجاباً على الصحة النفسية وجودة الحياة على المدى الطويل.

قد يهمك أيضاً