اتفاقية الدفاع السعودية–الباكستانية: تحولات استراتيجية في ظل الشكوك الأميركية

يشير توقيع اتفاقية دفاع مشترك بين السعودية وباكستان النووية إلى تحولات عميقة في خريطة التحالفات الإقليمية، تأتي في لحظة حرجة تتسم بتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة والصين، والهجوم الإسرائيلي الأخير على قطر الذي أربك المعادلات الأمنية في الخليج.

ولا يعد الاتفاق الجديد خطوة ثنائية فحسب، بل يعكس بحث الرياض عن بدائل استراتيجية وسط اهتزاز الثقة بالحماية الأميركية، ويمنح إسلام آباد فرصة لتأكيد مكانتها كلاعب أمني رئيسي في العالم الإسلامي.

ولسنوات طويلة، شكّلت الولايات المتحدة الضامن الأمني الأساسي لدول الخليج، لكن التطورات الأخيرة جعلت هذه الثقة موضع شك.

فالغارة الإسرائيلية التي استهدفت قادة سياسيين لحركة حماس في الدوحة، الحليف الاستراتيجي لواشنطن ومقر أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، كشفت حدود النفوذ الأميركي وقدرتها على ردع إسرائيل، بل وأظهرت في نظر العديد من العواصم الخليجية «لامبالاة» واشنطن تجاه أمن شركائها.

هذا السياق هو ما يفسّر تقارب الرياض مع باكستان، القوة النووية الإسلامية الوحيدة وصاحبة الجيش الأكبر في العالم الإسلامي. بالنسبة للسعودية، الاتفاقية تمثل «تأمينًا إضافيًا» خارج المظلة الأميركية، ورسالة بأن المملكة لن تضع كل بيضها في سلة واحدة.

باكستان: مظلة نووية وشريك استراتيجي

لطالما كانت إسلام آباد حليفًا تقليديًا للرياض، حيث استندت العلاقة إلى الدعم المالي السعودي مقابل التعاون العسكري الباكستاني.

لكن الجديد في الاتفاقية أنها تُضفي طابعًا رسميًا على تعاون كان قائمًا منذ عقود، وتفتح الباب أمام احتمال – ولو غير معلن – لامتداد «المظلة النووية» الباكستانية لتشمل المملكة.

ورغم امتناع المسؤولين عن التصريح المباشر، أكد مسؤول سعودي رفيع لوكالة رويترز أن الاتفاقية «شاملة وتشمل جميع الوسائل العسكرية»، ما يوحي بأن نطاقها يتجاوز التدريب أو تبادل المعلومات إلى التزامات أمنية أوسع.

الدور الصيني المتصاعد

تتابع الصين هذه التطورات بعين الرضا، وفق ما أوضح سون دِغَانغ، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة فودان.
فبكين ترى أن تنويع الشركاء الدفاعيين في المنطقة يخدم مصالحها، إذ يضعف الهيمنة الأميركية، ويفتح أمامها أسواقًا جديدة لمبيعات السلاح، خصوصًا في ظل نجاح منتجاتها العسكرية مثل مقاتلة J10-CE التي أثبتت فعاليتها في النزاع الأخير بين باكستان والهند.

وأشار لين لي، الملحق العسكري الصيني السابق في السعودية، إلى أن «اللامبالاة الأميركية» تجاه الضربة على قطر زادت من قناعة دول الخليج بضرورة البحث عن بدائل، معتبرًا أن الإعلان الرسمي عن الاتفاقية السعودية–الباكستانية في هذا التوقيت يحمل رسالة واضحة لواشنطن.

حسابات الرياض: بين واشنطن وبكين ونيودلهي

رغم تقاربها مع باكستان، تحرص السعودية على إبقاء التوازن في علاقاتها مع الهند، القوة النووية الأخرى والخصم التاريخي لإسلام آباد.

وشدد مسؤول سعودي بارز على أن «العلاقة مع الهند أقوى من أي وقت مضى»، مؤكداً أن الرياض تسعى للإسهام في السلام الإقليمي بدلًا من الانحياز لطرف ضد آخر.

ويعكس هذا التوازن مهارة دبلوماسية سعودية في الاستفادة من تنافس القوى الكبرى والإقليمية على حد سواء.

فالرياض تدرك أن الاستثمار في علاقتها مع الهند يخدم مصالحها الاقتصادية، بينما يمنحها التحالف مع باكستان بعدًا أمنيًا وعسكريًا مكملاً.

واشنطن في موقع الدفاع

في واشنطن، يُنظر إلى الاتفاقية على أنها مؤشر إضافي على تراجع النفوذ الأميركي في المنطقة.

وقد اعتبرت ليسيلوت أودغارد، الزميلة في معهد هدسون، أن الولايات المتحدة والصين تتنافسان بوضوح على استقطاب اهتمام السعودية، مضيفة أن المملكة «بارعة في تعظيم مصالحها عبر علاقات مع الجانبين».

ورغم أن أودغارد قللت من احتمال حدوث قفزة سريعة في مشتريات الأسلحة الصينية من قبل الرياض، إلا أنها رأت أن الاتفاقية تمثل إشارة رمزية مقلقة لواشنطن، وتدل على أن شركاءها التقليديين لم يعودوا يعتبرونها الضامن الوحيد لأمنهم.

قطر والهجوم الإسرائيلي: نقطة تحول

لا يمكن فصل توقيع الاتفاقية عن السياق الأوسع الذي أشعلته الضربة الإسرائيلية على الدوحة.

هذا الهجوم لم يقتصر على تقويض الوساطة القطرية في ملف غزة، بل شكّل صدمة للدول الخليجية، إذ استهدف عاصمة تستضيف أكبر قاعدة أميركية. بالنسبة للرياض، كان الدرس أن الولايات المتحدة لم تمنع هذا الهجوم، ولم تحمِ حتى أقرب حلفائها.

وقد عجّل هذا التطور بالتحرك السعودي نحو توسيع خياراتها الدفاعية، ليس فقط عبر باكستان، بل ربما مستقبلًا من خلال اتفاقيات مماثلة مع شركاء آخرين، في ظل شعور متزايد بأن الاعتماد الكامل على واشنطن لم يعد مضمونًا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.