وثائق تكشف كيف موّلت الإمارات حملات نفوذ واسعة في واشنطن وأوروبا؟

تكشف وثائق رسمية وتحقيقات صحفية أوروبية وأميركية عن شبكة إنفاق إماراتية ضخمة في الولايات المتحدة وأوروبا، تجاوزت – وفق السجلات المعلنة فقط – مئات ملايين الدولارات خلال السنوات الماضية.

لكن اللافت، بحسب مصادر متعددة وتقارير استقصائية، أن هذا الإنفاق لم يقتصر على تحسين صورة الدولة الخليجية، بل امتد ليطال كل ما له صلة بالعرب أو بالإسلام عموماً، تحت عنوان عريض هو “مواجهة الإسلام السياسي” أو جماعة الإخوان المسلمين.

ففي الولايات المتحدة، تظهر سجلات قانون تسجيل الوكلاء الأجانب (FARA) أن الإمارات كانت من بين أكبر المنفقين الأجانب على شركات اللوبي والعلاقات العامة في واشنطن. ووفق الأرقام الموثقة، فإن إجمالي ما أنفقته أبوظبي منذ عام 2016 تخطى 157 مليون دولار.

وبحسب الوثائق فإن هذه الأموال صُرفت على مكاتب محاماة كبرى، وشركات استشارات سياسية، ومؤسسات علاقات عامة تتواصل مباشرة مع أعضاء الكونغرس، ومسؤولي الإدارة الأميركية، ووسائل الإعلام، ومراكز الأبحاث المؤثرة في صناعة القرار.

وشهد عام 2022 وحده إنفاقاً إماراتياً تجاوز 36 مليون دولار على أنشطة لوبي مسجّلة رسمياً. وتشير ملفات FARA إلى أن شركة واحدة مثل The Harbour Group تلقت نحو 2.86 مليون دولار خلال ستة أشهر فقط في عام 2019 من جهات إماراتية.

كما حصلت شركات قانونية عملاقة مثل Akin Gump Strauss Hauer & Feld على دفعات منتظمة على مدى سنوات، بمبالغ تراكمية تصل إلى ملايين الدولارات، مقابل خدمات استشارية وقانونية وتواصل سياسي وإعلامي.

وبحسب مراقبين، فإن هذا الحضور المالي الكثيف منح الإمارات قدرة ملحوظة على التأثير في الخطاب السياسي والإعلامي الأميركي، خصوصاً في الملفات المتعلقة بالحركات الإسلامية، وقطر، وثورات الربيع العربي.

أما في أوروبا، فقد كشفت تحقيقات صحفية مشتركة حملت اسم “Abu Dhabi Secrets” (أسرار أبوظبي) تفاصيل أكثر حساسية.

والمشروع قادته منصة Mediapart الفرنسية بالتعاون مع شبكة European Investigative Collaborations، وشاركت فيه وسائل إعلام كبرى مثل Der Spiegel الألمانية، وLe Soir البلجيكية، وRTBF، وEl País الإسبانية.

وأظهرت التحقيقات أن جهات إماراتية موّلت شركة استخبارات خاصة مقرها سويسرا بما لا يقل عن 5.7 مليون يورو بين عامي 2017 و2020.

وكان الهدف، وفق الوثائق، إعداد قوائم بأسماء شخصيات ومنظمات مسلمة في عدة دول أوروبية، ووصمها بالتطرف أو الارتباط بجماعة الإخوان المسلمين.

كما أشارت تقارير بريطانية وأوروبية إلى أن الإمارات تعاقدت مع شركات علاقات عامة ولوبي في لندن وبروكسل، وأنفقت ملايين الجنيهات واليورو للتأثير في الإعلام وصنّاع القرار، وتوجيه النقاش العام حول قضايا مثل “الإسلام السياسي”، وتمويل المساجد، والحركات المدنية ذات الخلفية الإسلامية.

والمثير للانتباه أن هذه الأرقام تمثل فقط الجزء المعلن أو الذي ظهر في تحقيقات صحفية. فبعض العقود – بحسب التحقيقات – تمر عبر وسطاء، أو مؤسسات بحثية، أو شركات واجهة، ولا تظهر بشكل مباشر في السجلات الرسمية، ما يعني أن الحجم الحقيقي لحملات النفوذ قد يكون أكبر بكثير مما هو متاح للعلن.

ويرى منتقدون أن هذه الحملات لم تكتفِ باستهداف تيارات سياسية بعينها، بل ساهمت في خلق مناخ أوروبي أكثر تشدداً تجاه المجتمعات المسلمة عموماً.

ويشيرون إلى أن عدداً من الدول الأوروبية شددت الرقابة على المساجد، وقيّدت مصادر تمويلها الخارجية، وأصبحت تعتمد بشكل شبه كامل على تبرعات المصلين المحليين.

وفي بعض الدول، مثل هولندا، تتكرر الفضائح المتعلقة بمراقبة المساجد أو جمع معلومات عن الجاليات المسلمة، ما يعكس – وفق باحثين – تحوّلاً في المزاج العام تجاه المسلمين، تغذّيه سرديات أمنية وإعلامية مكثفة.

وتدافع أبوظبي عن سياساتها باعتبارها جزءاً من حربها على التطرف، وتؤكد أنها تستهدف جماعات تعتبرها خطراً على الاستقرار الإقليمي والدولي.

لكن منتقدين يقولون إن مفهوم “الإسلام السياسي” استُخدم كمظلّة واسعة لتجريم طيف متنوع من الناشطين والمفكرين والمؤسسات المدنية، حتى في سياقات أوروبية ديمقراطية.

ويرى هؤلاء أن الإمارات سعت، عبر إنفاقها الضخم، إلى إعادة تشكيل البيئة الفكرية والسياسية في الغرب بما يخدم أولوياتها الإقليمية، خصوصاً في مواجهة خصومها السياسيين في المنطقة.

غير أن الصورة التي سعت أبوظبي إلى بنائها عبر سنوات من الإنفاق المكثف، تواجه اليوم تحديات جديدة مع تصاعد فضائح مرتبطة بملفات جيفري إبستين في الولايات المتحدة.

فالتقارير التي تناولت مراسلات بين شخصيات إماراتية بارزة وإبستين، وعلى رأسهم رئيس موانئ دبي العالمية، إضافة إلى ما ظهر بشأن هند العويس، أعادت تسليط الضوء على علاقات محرجة تهدد بتقويض الجهود الدعائية التي بُذلت لسنوات.

ويؤكد مراقبون أن كل تلك المليارات التي صُرفت على تحسين الصورة والتأثير في السياسات الغربية، قد تتبخر سريعاً إذا ثبت تورط شخصيات رفيعة في شبكات علاقات مشبوهة.

والسؤال الذي يطرحه مراقبون اليوم: هل تستطيع حملات النفوذ المكلفة الصمود أمام فضائح أخلاقية عابرة للحدود، أم أن ما بُني على مدى سنوات قد ينهار في لحظة؟.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.