منتدى عقاري سعودي يجمع أضداد السياسة الأميركية

في مشهد بدا غير مألوف حتى بمعايير السياسة الأميركية المنقسمة، شاركت هيلاري كلينتون، المرشحة الديمقراطية السابقة للرئاسة، وتوكر كارلسون، المعلّق اليميني المثير للجدل، في مؤتمر عقاري عُقد هذا الأسبوع في العاصمة السعودية الرياض، في حدث عكس التحولات المتسارعة التي تشهدها المملكة، وقدرتها المتزايدة على استقطاب شخصيات متناقضة من المشهد السياسي والثقافي الغربي.

وعلى الرغم من أن أياً من كلينتون أو كارلسون لا يُعرف بخبرة مباشرة في قطاع العقارات، فإن كليهما صعد إلى المنصة، كلٌ في توقيت منفصل، داخل قاعة فندق فاخر في الرياض، حيث قدّما مداخلات ركزت بدرجة أكبر على «دروس الحياة» والتحولات الاجتماعية والسياسية في السعودية، بدلًا من الحديث التقني عن الاستثمار العقاري.

وتزامنت مشاركتهما مع تصاعد التوترات في الولايات المتحدة، عقب حوادث أمنية دامية في ولاية مينيسوتا، ما أضفى بعدًا رمزيًا على وجود شخصيتين أميركيتين بارزتين على بُعد آلاف الأميال من بلدهما، في دولة ملكية محافظة تسعى لإعادة تعريف صورتها عالميًا.

وقالت هيلاري كلينتون، التي خسرت الانتخابات الرئاسية عام 2016 أمام دونالد ترامب، إن ما تشهده السعودية من تحولات «أمر مثير للاهتمام»، مضيفة أنها لاحظت تغيرًا كبيرًا مقارنة بزيارتها السابقة قبل أكثر من عشر سنوات عندما كانت تشغل منصب وزيرة الخارجية الأميركية.

أما توكر كارلسون، الذي تحوّل من نجم تلفزيوني إلى مقدم بودكاست مؤثر، فقد ذهب أبعد من ذلك، واصفًا السعودية بأنها «مكان حر على نحو غريب»، معتبرًا أن الرياض باتت نقطة التقاء لشخصيات من مختلف أنحاء العالم.

وقال إن ما يلفت الانتباه هو سهولة لقاء أشخاص تعرفهم من عواصم أخرى أثناء تناول العشاء أو حضور الفعاليات، وكأن «الجميع موجود هنا».
ويأتي هذا المشهد في سياق تحولات اجتماعية واقتصادية عميقة تشهدها السعودية منذ صعود ولي العهد محمد بن سلمان، حيث جرى تخفيف القيود الاجتماعية بشكل غير مسبوق، بالتوازي مع تشديد القبضة السياسية.

فبعد أن كانت الموسيقى والاختلاط بين الجنسين شبه محظورين قبل عقد من الزمن، أصبحت الحفلات الموسيقية والفعاليات الترفيهية جزءًا من المشهد العام، فيما باتت النساء أكثر استقلالية، يعملن ويعشن بمفردهن ويقدن السيارات، بعد رفع حظر القيادة عام 2018.

وفي الوقت ذاته، لا تزال منظمات حقوقية تشير إلى استمرار التضييق على المنتقدين والمعارضين لهذه التحولات، وهو تناقض بات سمة بارزة في «السعودية الجديدة».

وعُقد المؤتمر العقاري بعد أيام من إعلان المملكة توسيع فتح سوقها العقاري أمام المشترين الأجانب، في خطوة تهدف إلى جذب المستثمرين والسياح، ودعم خطط التنويع الاقتصادي.

وقالت هالة التويجري، رئيسة هيئة حقوق الإنسان الحكومية، في كلمة سبقت مداخلة كارلسون، إن رسالة السعودية للعالم هي: «نريدكم أن تشعروا بأن السعودية وطنكم».

وكانت شخصيات فنية وثقافية أميركية كبرى تتجنب في السابق زيارة المملكة بسبب سجلها الحقوقي، إلا أن هذا الموقف تغيّر تدريجيًا. فقد زار السعودية في السنوات الأخيرة عدد من المشاهير، من بينهم ويل سميث وأليشيا كيز وجوني ديب، بعضهم بدافع الاهتمام الشخصي، وآخرون مقابل تعويضات مالية كبيرة.

وفي الشهر الماضي، نشرت مغنية الراب كاردي بي مقاطع مصورة من زيارتها للرياض، أشادت فيها بعصرية المجتمع والطعام، ووصفت المملكة بأنها «مكان يملك المال الحقيقي»، ما لقي تفاعلًا واسعًا داخل السعودية.

أما كلينتون، فاعتمدت نبرة أكثر دبلوماسية، معتبرة أن نموذج التنمية السعودي «طموح وجريء ومنظم»، ويجمع الرجال والنساء «للتقدم نحو المستقبل»، على حد وصفها. كما التقت بولي العهد محمد بن سلمان، وبالأمير تركي الفيصل، السفير السعودي السابق لدى واشنطن، الذي وصفته بـ«الصديق العزيز».

وفي مؤشر آخر على جاذبية القطاع العقاري السعودي، أعلنت مؤسسة ترامب هذا الشهر عن مشروع جديد يحمل علامتها التجارية، يضم نادي غولف ومجمعًا سكنيًا مسورًا في الدرعية، وهو مشروع مملوك للدولة.

ورغم أن كارلسون كان قد انتقد ترامب سابقًا بسبب سياساته تجاه إيران، فإنه بدا منسجمًا مع خطاب الترويج للاستثمار في السعودية، مشيدًا بـ«الهدوء والاستقرار والأمان» في الرياض. وبعد انتهاء كلمته، التف حوله عدد من الحاضرين السعوديين لالتقاط صور تذكارية.

وقال فهد الشبيلي، رئيس شركة تصميم معماري في الرياض: «لو لم يكن السوق السعودي كبيرًا وجاذبًا، لما جاء هؤلاء إلى هنا».

وفي مدينة باتت تجمع الأضداد، بدت مشاركة كلينتون وكارلسون تجسيدًا حيًا لتحول الرياض إلى مساحة تلتقي فيها تناقضات العالم.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.