دوافع حرص دول الخليج على إعادة تشكيل مستقبل سوريا بعد رفع العقوبات

تتحرك دول الخليج العربي بخطى سريعة لترسيخ وجودها في مستقبل سوريا بعد انتهاء حقبة بشار الأسد، مدفوعةً برغبة في تحقيق الاستقرار في بلد مزقته الحرب لأكثر من عقد، وأيضًا في إعادة رسم توازن القوى الإقليمي لصالحها.

وتمثل زيارة الرئيس السوري الجديد، أحمد الشرع، إلى الإمارات هذا الأسبوع – وهي الثانية له إلى أبوظبي منذ توليه المنصب في يناير – إشارة قوية على تسارع جهود دمج سوريا في الدبلوماسية الإقليمية.

وجاءت محادثاته مع الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد لتؤكد طموحًا مشتركًا لإعادة إعمار سوريا وإعادتها إلى محيطها العربي، في ظل تحولات عميقة تشهدها المنطقة.

استثمارات مالية ودبلوماسية

منذ سقوط نظام الأسد، بادرت دول الخليج إلى دعم سوريا ماليًا ودبلوماسيًا. فقد سددت السعودية وقطر ديون سوريا للبنك الدولي، والبالغة 15.5 مليون دولار، ما أتاح فتح باب منح إعادة الإعمار.

كما تعهدت قطر بتقديم 29 مليون دولار شهريًا لتمويل رواتب موظفي القطاع العام السوري لثلاثة أشهر، في محاولة لضمان استقرار الجهاز الإداري في المرحلة الانتقالية.

في مايو الماضي، وقعت الحكومة السورية اتفاقية مع اتحاد شركات بقيادة UCC القابضة القطرية لمضاعفة إمدادات الكهرباء، بينما وقعت شركة موانئ دبي العالمية الإماراتية اتفاقية بقيمة 800 مليون دولار لتطوير ميناء طرطوس، أحد المرافق الحيوية للاقتصاد السوري.

حسابات أمنية واستراتيجية

بحسب محللين، لا تقتصر دوافع دول الخليج على الجانب الاقتصادي. يقول جورجيو كافييرو، الرئيس التنفيذي لشركة جلف ستيت أناليتيكس: “دول الخليج عازمة على تعزيز الاستقرار في سوريا، وضمان الحفاظ على وحدة أراضيها، ومنع نشوء فراغات أمنية قد تهدد المنطقة.”

ويضيف كافييرو أن المخاوف الأمنية، خاصة المرتبطة بتجارة مخدر الكبتاجون، تلعب دورًا محوريًا في هذا الانخراط الخليجي. إذ أصبحت سوريا في عهد الأسد مركزًا عالميًا لإنتاج الكبتاجون، الذي يُهرّب بكميات هائلة إلى دول الخليج، وخصوصًا عبر الحدود السعودية الطويلة والمليئة بالثغرات.

معادلات إقليمية جديدة

في الخلفية، يظل الحذر قائمًا تجاه إيران، التي كانت الحليف الأبرز للأسد طوال سنوات الصراع، مقدمة دعمًا عسكريًا وماليًا جعله صامدًا رغم العزلة الدولية. لطالما اعتُبرت سوريا حلقة أساسية في مشروع “محور المقاومة” الإيراني، الذي يربط طهران بالبحر المتوسط عبر العراق ولبنان.

ورغم مساعي دول الخليج، وفي مقدمتها السعودية، للتقارب الدبلوماسي مع إيران في السنوات الأخيرة، فإن الشكوك المتبادلة لا تزال عميقة، خاصة في ضوء دعم طهران لميليشيات مسلحة استهدفت أحيانًا أراضي السعودية والإمارات.

خلال الحرب الإسرائيلية – الإيرانية الأخيرة التي استمرت 12 يومًا، أطلقت إيران صواريخ باتجاه قاعدة العديد الجوية في قطر، ما أثار مخاوف خليجية من تحول الصراعات الإقليمية إلى داخل أراضيها.

رهان خليجي على الاستباق

ويبدو أن دول الخليج تدرك أن ترك الساحة السورية فارغة قد يفسح المجال أمام إيران أو لاعبين آخرين للتمدد مجددًا. من هنا يأتي حرصها على دعم حكومة الشرع، رغم خلفيته كمعارض سابق مرتبط بفصائل إسلامية متشددة.

يقول كافييرو: “من خلال المشاركة المبكرة والاستراتيجية مع حكومة الشرع، تسعى السعودية والإمارات وحلفاؤهما إلى ممارسة النفوذ في سوريا الجديدة، ولجم أي توجهات جهادية قد تصدّر الفوضى إلى دول المنطقة.”

لكن التحذيرات قائمة. يرى عبد العزيز الشحي، نائب رئيس قطاع الأبحاث في تريندز للأبحاث والاستشارات، أن الإسراع في إعادة دمج سوريا دون إصلاحات سياسية أعمق قد يعيد البلاد إلى دائرة العنف.

ويحذر قائلاً: “إذا شعرت دمشق بالرضا دون المضي في إصلاح الحكم، فمن المؤكد أن العنف سيعود عاجلاً أم آجلاً.”

رهانات كبرى

قرار إدارة ترامب رفع العقوبات عن سوريا أعطى دفعة قوية لهذه الجهود الخليجية، ما شجع المستثمرين على دخول السوق السورية.

ويشير مراقبون إلى أن عودة سوريا إلى الحضن العربي لا تمثل فقط استثمارًا اقتصاديًا، بل هي أيضًا محاولة خليجية لصياغة حلول إقليمية بأيدٍ عربية، بعيدًا عن التدخلات الدولية التي فشلت مرارًا في حل الأزمة السورية.

وكما يقول الشحي: “إذا لم تقم الدول العربية بهذا الدور، فإننا نخاطر بأن تعود سوريا مجددًا للارتماء في أحضان قوى خارجية، مع ما يحمله ذلك من مخاطر جسيمة على المنطقة كلها.”

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.