حريق الكوت: مقتل 61 شخصًا في مركز تجاري بسبب الإهمال المتكرر في العراق

في واحدة من أكثر الكوارث الإنسانية دموية في العراق خلال السنوات الأخيرة، قُتل ما لا يقل عن 61 شخصًا جراء اندلاع حريق ضخم في مركز تجاري مكون من خمسة طوابق بمدينة الكوت، جنوب شرق البلاد، وسط مشاهد مروعة من الذعر والاختناق والدموع.

وبحسب بيان وزارة الداخلية العراقية، فإن غالبية الضحايا لقوا حتفهم اختناقًا في الحمامات، حيث حوصروا بالدخان الكثيف، في مشهد يسلط الضوء مجددًا على الإهمال المزمن لمعايير السلامة العامة في البلاد.

وقالت الوزارة إن من بين القتلى 14 جثة متفحمة لم يتم التعرف عليها حتى الآن، فيما تم إنقاذ أكثر من 45 شخصًا من داخل المبنى المنكوب. ولا يزال عدد من الجرحى في حالة حرجة.

ذعر في الطوابق العليا وأطفال في أيدي الأمهات

أظهرت مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي لحظات اشتعال النيران في المبنى، مع تصاعد ألسنة اللهب والدخان من النوافذ، بينما حاول العشرات الهروب في حالة من الفوضى.

عائلات بأكملها، كثير منها برفقة أطفال صغار، هرعت للخروج، وبعضها كان يحمل أطفالًا رضعًا وهم يسعلون ويغطون وجوههم بالأقمشة لمحاولة التنفس وسط الدخان الخانق. أما المحاصرون في الطوابق العليا، فلم يتمكنوا من الهروب مع تزايد سرعة انتشار النيران.

السلطات تعلن الحداد والتحقيق مستمر

أعلن محافظ واسط، محمد المياحي، الحداد لمدة ثلاثة أيام على أرواح الضحايا، متعهدًا بالكشف عن نتائج التحقيق خلال 48 ساعة. وقال في تصريحات صحفية: “هذه فاجعة مؤلمة، وسنتعامل بحزم مع المقصرين.”

وحتى الآن، لم يُعرف سبب الحريق بدقة، إلا أن شهود عيان، من بينهم ناصر القريشي، وهو طبيب فقد خمسة من أفراد أسرته، قالوا إن انفجارًا في مكيف الهواء كان بداية الكارثة.

وأضاف: “كنا هناك للعشاء، هربًا من انقطاع الكهرباء… ثم اندلعت النيران فجأة ولم نستطع الهرب.”

غياب معايير السلامة: القاتل الصامت في العراق

تعكس هذه الحادثة واقعًا مأساويًا تعيشه المنشآت العراقية، حيث تتكرر الحوادث القاتلة بسبب غياب معايير السلامة، وانتشار الفساد، وسوء الرقابة الحكومية.

ويُلقى باللوم على التصميم السيئ، والأسلاك الكهربائية العشوائية، وافتقار المباني العامة والخاصة إلى تجهيزات الإنذار والإطفاء.

وهذا ليس الحادث الأول من نوعه. ففي سبتمبر 2023، شهد العراق فاجعة مشابهة عندما تسبب حريق في قاعة أفراح بمنطقة الحمدانية في مقتل أكثر من 100 شخص، معظمهم من المدعوين لحفل زفاف، في حادث هزّ البلاد بأسرها.

غضب شعبي يتصاعد

تجمعت عائلات الضحايا صباح الخميس أمام مشرحة المدينة، في مشاهد مؤثرة من البكاء والنحيب والصدمة، بينما تصاعدت دعوات على مواقع التواصل الاجتماعي لمحاسبة المسؤولين عن الإهمال المزمن في البنية التحتية للمنشآت العامة والخاصة.

وطالب ناشطون بفتح تحقيق شفاف ومستقل، ومحاسبة المتورطين، سواء من ملاك المركز التجاري أو من الجهات الرسمية التي فشلت في فرض تدابير السلامة.

وتضاف هذه الكارثة إلى سجل طويل من الحوادث المأساوية في العراق، حيث يُدفع المواطنون ثمن الإهمال والفساد. وبينما تُنتظر نتائج التحقيق، يبقى الأمل ضعيفًا في تحقيق العدالة في بلد اعتاد أن يتحول الحزن فيه إلى عادة، والغضب إلى خبر عابر.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.