لماذا تنفق السعودية مليارات الدولارات لإعادة تشكيل خريطة الرياضة العالمية؟

تحولت السعودية خلال سنوات قليلة إلى أحد أكثر الفاعلين نفوذًا في عالم الرياضة، بعد أن ضخت مليارات الدولارات في كرة القدم والملاكمة والغولف والرياضات الإلكترونية، في مسار غيّر موازين القوة الرياضية عالميًا.

وجاء هذا التحول ضمن مشروع سياسي واقتصادي متكامل، كما يوثّقه الكاتب البريطاني جيمس مونتاغو في كتابه «Engulfed»، الذي يتناول الدوافع الحقيقية وراء هذا الإنفاق غير المسبوق.

ويطرح مونتاغو سؤالًا محوريًا: لماذا قررت السعودية، فجأة وبكثافة، الاستثمار في الرياضة؟ ويخلص إلى أن الإجابة تتجاوز الترفيه أو التسويق، لتصل إلى إعادة هندسة صورة الدولة ونفوذها في الغرب، في لحظة سياسية حرجة.

فالمليارات التي أُنفقت عبر صندوق الاستثمارات العامة السعودي أعادت رسم مشهد الرياضة العالمية، من الاستحواذ على نادي نيوكاسل يونايتد الإنجليزي، إلى إنشاء دوري LIV Golf الذي قوض هيمنة جولة PGA الأميركية، وصولًا إلى الفوز بحق استضافة كأس العالم 2034.

وقد جرى ذلك بدعم أو صمت شخصيات سياسية غربية بارزة، من بينها الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون.

ويرتبط هذا التوجه ارتباطًا وثيقًا برؤية ولي العهد محمد بن سلمان 2030، التي تستهدف تنويع الاقتصاد السعودي وتقليل الاعتماد على النفط، عبر جذب الاستثمارات والسياحة وبناء قطاعات جديدة.

غير أن مونتاغو يشير إلى أن هذه الرؤية، في بداياتها، لم تعتمد على الرياضة بهذا الشكل المكثف.

ونقطة التحول الحاسمة، بحسب الكاتب، جاءت بعد مقتل الصحافي جمال خاشقجي عام 2018 داخل القنصلية السعودية في إسطنبول، وهي الجريمة التي ألحقت ضررًا بالغًا بصورة المملكة دوليًا.

ويرى مونتاغو أن الزيادة الدراماتيكية في الإنفاق الرياضي التي تلت الجريمة لم تكن مصادفة، بل جزءًا من استراتيجية لإعادة تأهيل السمعة وإعادة إدماج السعودية في المجال العام الغربي.

ويقول إن مشروع الاستحواذ على نيوكاسل يونايتد كان المفتاح الذي أعاد السعودية إلى قلب النقاش الدولي، وصرف الأنظار تدريجيًا عن قضية خاشقجي.

ويؤكد أن هذا المسار نجح إلى حد كبير، إذ تراجعت القضية عن صدارة الاهتمام الإعلامي مع تصاعد الحضور السعودي في البطولات والأندية الكبرى.

لكن هذا النجاح لم يكن ممكنًا، بحسب مونتاغو، لولا استعداد الغرب لتجاهل الأسئلة الأخلاقية. فالساسة، والاتحادات الرياضية، واللاعبون، قبلوا الأموال السعودية دون مساءلة تُذكر.

ويطرح الكاتب سؤالًا صريحًا: هل تكشف هذه الظاهرة خللًا في السعودية وحدها، أم في المنظومة الغربية التي ترفع شعارات القيم لكنها تتخلى عنها عند أول اختبار مالي؟

ويتوقف الكتاب مطولًا عند الانقسام داخل جماهير نيوكاسل يونايتد. فبينما عارضت مجموعات منظمة الصفقة ووصفتها بـ«تبييض الرياضة»، فضّل معظم المشجعين التعايش مع الواقع الجديد، رغم شعورهم بعدم الارتياح.

ويرى مونتاغو أن كرة القدم ليست منتجًا استهلاكيًا عاديًا، بل علاقة هوية وانتماء عائلي، ما يجعل المقاطعة قرارًا بالغ الصعوبة.

في المقابل، يرى مؤيدو الصفقة أن استهداف السعودية وحدها ينطوي على نفاق، متسائلين لماذا لم تُطرح الأسئلة ذاتها عند استثمار الإمارات في مانشستر سيتي أو استضافة قطر لكأس العالم 2022، بينما تواصل بريطانيا والولايات المتحدة بيع السلاح للسعودية رغم استخدامه في حرب اليمن.

ولا يقتصر المشروع السعودي على الرياضات التقليدية. يكشف مونتاغو أن أكبر الاستثمارات تذهب في الواقع إلى الرياضات الإلكترونية، وهو قطاع يتفوق حجم الإنفاق فيه على كرة القدم والغولف مجتمعتين.

ويربط ذلك بالميول الشخصية لولي العهد، الذي نشأ لاعبًا للألعاب الإلكترونية، ودفع باتجاه جعل السعودية قوة مهيمنة في هذا السوق العالمي سريع النمو.

ورغم مظاهر الانفتاح الاجتماعي التي شهدتها البلاد، مثل السماح للنساء بالقيادة والعمل والاختلاط، يؤكد مونتاغو أن هذا التحول الثقافي لم يترافق مع انفتاح سياسي.

فحالات الاعتقال، واستخدام حظر السفر، واحتجاز أفراد من عائلات المعارضين في الخارج، لا تزال مستمرة، كما في قضيتي عمر وسارة الجابري، والناشطة لجين الهذلول.

وفي ظل البيئة الجيوسياسية الحالية، ومع عودة دونالد ترامب إلى الرئاسة، لا يرى الكاتب أي أفق لضغوط دولية جدية على الرياض.

ويختم بالإشارة إلى مشهد رمزي: وفد سعودي كبير في واشنطن، وترامب يتسلم جائزة سلام من فيفا، والسعودية تمضي بثبات نحو استضافة كأس العالم 2034، في تداخل كامل بين المال والسياسة والرياضة، دون كوابح حقيقية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.