أعلن ولي العهد الأردني الأمير الحسين بن عبدالله، الأحد، إعادة تفعيل الخدمة الوطنية العسكرية، في خطوة اعتبرها كثيرون تحولاً استراتيجياً في مسار السياسة الدفاعية والاجتماعية للمملكة بعد أكثر من ثلاثة عقود على إنهاء التجنيد الإجباري.
وفي كلمة له خلال لقاء مع شباب محافظة إربد، شدّد ولي العهد على أن “الأردنيين يجب أن يكونوا مستعدين لخدمة وطنهم والدفاع عنه”، مضيفاً أن من سبق لهم أداء الخدمة الوطنية “يدركون قيمة هذه التجربة وأثرها على تعزيز الانتماء والهوية الوطنية”.
وكان الأردن قد أنهى التجنيد الإجباري عام 1991، وهو النظام الذي ألزم حينها الرجال بين 18 و40 عاماً بالخدمة العسكرية لمدة عامين.
وبحسب ولي العهد، سيتم تطوير برنامج جديد للخدمة الوطنية بالتنسيق مع الحكومة والجيش، على أن تُعلن تفاصيله في مؤتمر صحفي مرتقب خلال الأيام المقبلة.
خلفيات القرار
يأتي الإعلان في وقت تتصاعد فيه التوترات الإقليمية، خصوصاً مع استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة، حيث اتخذ الأردن مواقف متشددة تجاه تل أبيب، أبرزها وقف التعاون في مشاريع التنمية والبنية التحتية المشتركة.
ورغم ذلك، لا يزال الأردن يعتمد بشكل جزئي على إسرائيل في استيراد المياه والغاز، فيما يواصل التأكيد على تمسكه بحل الدولتين ورفض أي مخططات تهجير للفلسطينيين في غزة أو الضفة الغربية.
وفي هذا السياق، أدان الأردن هذا الشهر تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو التي تحدث فيها عن دعمه لفكرة “إسرائيل الكبرى”، معتبراً أنها تهديد مباشر للأمن والاستقرار في المنطقة.
البعد الأمني والإقليمي
قرار إعادة تفعيل الخدمة الوطنية العسكرية يتزامن أيضاً مع المستجدات في الجنوب السوري، حيث أعلنت عمان مشاركتها إلى جانب واشنطن ودمشق في مجموعة عمل للإشراف على وقف إطلاق النار في السويداء، ما يعكس رغبة الأردن في لعب دور أمني إقليمي أكثر وضوحاً.
ويرى مراقبون أن عودة التجنيد الإجباري تحمل رسائل مزدوجة: الأولى داخلية لتعزيز الهوية والانضباط بين الشباب، والثانية خارجية لطمأنة الحلفاء بأن الأردن يسعى لتعزيز جاهزيته العسكرية في ظل محيط إقليمي ملتهب.
الدور الأمريكي
يعتمد الأردن بشكل كبير على المساعدات العسكرية والاقتصادية من الولايات المتحدة، التي تحتفظ بآلاف الجنود على أراضيه بموجب اتفاقية دفاعية ثنائية. ومن شأن إعادة الخدمة الوطنية أن تكمل هذا الوجود العسكري عبر بناء قاعدة شبابية مدربة، تسهم في تعزيز القدرات الدفاعية للمملكة.
معاهدة السلام على المحك
منذ توقيع معاهدة وادي عربة للسلام مع إسرائيل عام 1994، كان الأردن ثاني دولة عربية بعد مصر تدخل في اتفاق رسمي مع تل أبيب. لكن الحرب على غزة أعادت خلط الأوراق، وأبرزت صعوبة الفصل بين الالتزامات الدبلوماسية والمزاج الشعبي الأردني الغاضب من السياسات الإسرائيلية.
ويرى محللون أن إعادة الخدمة الوطنية قد تكون أيضاً أداة سياسية لإظهار استقلالية القرار الأردني في وقت يتصاعد فيه الضغط الداخلي لاتخاذ مواقف أكثر حدة ضد إسرائيل.
نحو هوية وطنية جديدة
الأمير الحسين أكد أن الخدمة الوطنية الجديدة لن تقتصر على الجانب العسكري، بل ستسهم في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ قيم الانتماء والانضباط بين الشباب، في وقت تواجه فيه المملكة تحديات اقتصادية واجتماعية متزايدة، أبرزها البطالة بين فئة الشباب.
وتشير التقديرات الأولية إلى أن البرنامج قد يشمل تدريبات عسكرية أساسية إلى جانب برامج تعليمية ومجتمعية، وهو ما يعكس محاولة لإيجاد صيغة تجمع بين الخدمة الدفاعية والاندماج المدني.
وبإعادة تفعيل الخدمة الوطنية العسكرية بعد 34 عاماً من توقفها، يوجّه الأردن رسالة واضحة بأنه يستعد لمواجهة مرحلة إقليمية مضطربة من موقع أكثر استعداداً وتماسكاً. وبينما ينتظر الأردنيون تفاصيل البرنامج الجديد، يبقى التحدي الأبرز في كيفية التوفيق بين متطلبات الدفاع الوطني والتحديات الاقتصادية والاجتماعية التي يواجهها جيل الشباب.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72384