في خريف عام 2024، وبينما كانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تستعد للدخول في مفاوضات مباشرة مع إيران حول برنامجها النووي، كانت إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو تمضي في مسار مختلف تمامًا: طريق الحرب لتدمير البرنامج النووي الإيراني.
فقد كشفت تقارير استخباراتية ومسؤولون حاليون وسابقون أن نتنياهو بدأ، منذ الخريف الماضي، الإعداد لهجوم عسكري واسع يستهدف منشآت إيران النووية، بالتوازي مع عمليات اغتيال ممنهجة تستهدف العلماء والقادة العسكريين الإيرانيين.
اغتيالات وتحضيرات منهجية
بُعيد ضرب الدفاعات الجوية الإيرانية في اشتباك صاروخي، وتحييد حزب الله اللبناني مؤقتًا، أعطى نتنياهو أوامره لقادة الأمن ببدء الاستعداد لضربة ضد إيران.
بدأ مسؤولو الاستخبارات الإسرائيليون إعداد قوائم اغتيال شملت عشرات العلماء النوويين، بينما شنت القوات الجوية الإسرائيلية عمليات ضد الدفاعات الجوية في لبنان وسوريا والعراق، لتمهيد الأجواء لهجمات جوية ضد إيران.
ورغم المسار العسكري، لم تتوقف إسرائيل عن السعي لتأمين دعم أميركي مباشر. فالإسرائيليون، حسب مصادر مطلعة، كانوا مقتنعين بأن مشاركة أميركية في أي ضربة ضد إيران ستجعل العملية أكثر فاعلية. وبالفعل، أعلن ترامب في 13 يونيو قراره المشاركة في الهجوم، عبر ضربات نفذتها قاذفات B-2 على مواقع إيرانية.
لكن التعاون بين الجانبين لم يكن دائمًا متناغمًا. ففيما كانت أجهزة الاستخبارات الأميركية تؤكد أن إيران لم تتخذ قرارًا بتطوير قنبلة نووية، أصرّت إسرائيل على أن الوقت ينفد، وأن تحركًا وقائيًا ضروري.
وقال مسؤول إسرائيلي إن قرار الضربة اتُخذ في مارس، أي قبل لقاء نتنياهو بترامب في أبريل، وتم تحديد يونيو كموعد نهائي قبل أن تتمكن إيران من إعادة بناء دفاعاتها الجوية.
الحسابات السياسية والقرار الاستراتيجي
في الوقت الذي كان فيه ترامب يراهن على الدبلوماسية، كانت إسرائيل قد حسمت أمرها. لم يكن الهجوم نابعًا من معلومات جديدة تؤكد اندفاعًا إيرانيًا نحو السلاح النووي، بل من حسابات عسكرية تعتبر اللحظة مثالية: إيران ضعيفة، وحلفاؤها منهكون، وإسرائيل جاهزة عسكريًا.
وفي لقاء مع قناة 14، أقر نتنياهو أن القرار بتنفيذ الضربة اتُخذ قبل أشهر، رغم أنه اختار التوقيت النهائي قبل أسبوعين فقط من تنفيذها. وشدد على أن “استهداف العلماء النوويين” كان أولوية قصوى في الخطة.
ورغم دعم المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لنهج نتنياهو، عبّرت بعض الأصوات عن تحفظها بشأن جدوى شنّ الهجوم بينما كانت واشنطن تسعى للتفاوض. وقال داني سيترينوفيتش، الرئيس السابق لقسم إيران بالاستخبارات العسكرية: “كان علينا إعطاء المسار السياسي فرصة، فالمخاطر هائلة”.
كما أشار سيترينوفيتش إلى أن إسرائيل لم تواجه من قبل دولة بحجم إيران عسكريًا، وأن الهجوم قد يجرّ المنطقة إلى صراع أوسع.
تقاطع التقييمات الاستخباراتية
تستند الرواية الإسرائيلية إلى تقارير أفادت بأن علماء إيرانيين استأنفوا أبحاثًا حساسة قد تُستخدم في تصنيع السلاح النووي، مثل أنظمة التفجير متعدد النقاط وتجارب على إشعاع النيوترون.
لكن وكالات الاستخبارات الأميركية، رغم مراجعتها لتلك المعطيات، لم تُغير تقييمها الأساسي: لا يوجد دليل على أن المرشد الإيراني علي خامنئي أمر بإنتاج سلاح نووي.
ويرى محللون مثل ريتشارد نيبو، كبير مفاوضي إدارة أوباما، أن التباين كان بين السياسيين، لا بين وكالات الاستخبارات، مؤكدًا أن إسرائيل وواشنطن قد تكونان على اتفاق حول البيانات، لكن تختلفان في التفسير والدوافع السياسية.
الضربة الإسرائيلية: قدرات جديدة ونتائج أولية
منذ أكتوبر 2024، دمرت إسرائيل معظم الدفاعات الجوية الإيرانية، ما سهّل الهجوم المفاجئ في يونيو. وقبل الضربة، تدرب الطيارون الإسرائيليون على ضرب أهداف متعددة بشكل متزامن، بما في ذلك العلماء في منازلهم.
كما نفذ الموساد عمليات تهريب طائرات مسيّرة وقاذفات داخل الأراضي الإيرانية، في تحضيرات استمرت سنوات. وقال مسؤول إسرائيلي إن الاستخبارات الإسرائيلية كانت تعرف الأدوار التفصيلية لكل عالم تم اغتياله، ما سهّل تنفيذ العملية بدقة.
وأعلنت إسرائيل أنها قتلت 10 علماء رئيسيين منذ بدء الهجوم، ما أبطأ – حسب وصفها – مشروع إيران النووي.
“الهاتريك النووي”
في واشنطن، تجاهل ترامب تقييم مديرة الاستخبارات الوطنية، واستمر في تصريحاته بأن إيران باتت “قريبة جدًا” من القنبلة. وشبّهها بفريق كرة قدم “قطع 99 ياردة، ولن يتوقف الآن عن تسجيل الهدف الأخير”.
أما يعقوب ناجل، مستشار نتنياهو، فرأى أن المعلومات الاستخباراتية لم تعد مهمة بعد تنفيذ الضربة: “قررنا تدمير البرنامج عبر اغتيال العلماء وإضعاف البنية الدفاعية، وهذا ما أنجزناه”.
والضربة الإسرائيلية على إيران، رغم دعمها من ترامب، فتحت نقاشًا واسعًا حول مدى مشروعية استخدامها للقوة، والتهديد الذي تُمثله على الاستقرار الإقليمي. وبينما تصر إسرائيل على أنها عملية وقائية ضرورية، يرى آخرون أنها قفزة في المجهول قد تدفع إيران لتسريع مشروعها النووي بدلًا من وقفه.
ويبقى السؤال الأهم: هل حققت إسرائيل ما كانت تريده؟ أم أنها فتحت بابًا لصراع طويل الأمد قد تكون نتائجه أبعد من قدرتها على التحكم؟.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71754