خرجت التوترات المتراكمة بين السعودية والإمارات العربية المتحدة إلى العلن بشكل غير مسبوق خلال الأيام الماضية، في تطور اعتبره مراقبون تحولًا نوعيًا في طبيعة العلاقة بين الحليفين السابقين.
ووفق تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي الأمريكية للكاتب مارك لينش، فإن المواجهة الأخيرة لا يمكن حصرها في الساحة اليمنية، بل تعكس صراعًا أوسع على النفوذ وترتيب النظام الإقليمي في الشرق الأوسط.
وبدأت الأزمة المباشرة، بحسب التحليل، الشهر الماضي عندما تقدّمت قوات مدعومة من الإمارات من مدينة عدن باتجاه الداخل اليمني، وسيطرت على مناطق غنية بالنفط كانت خاضعة لنفوذ سعودي، من دون مقاومة تُذكر.
غير أن الرد السعودي جاء حاسمًا في منتصف ديسمبر/كانون الأول، عبر هجوم مضاد عنيف أجبر تلك القوات على الانسحاب، وسط مؤشرات على تراجع الدور الإماراتي في اليمن وربما الخروج منه كليًا.
ولم تبقِ المواجهة ضمن إطارها العسكري، إذ سرعان ما انتقلت إلى حرب إعلامية مفتوحة. فقد اتهمت أصوات إماراتية السعودية بدعم جماعة الإخوان المسلمين وبالتعامل بتعالٍ مع جيرانها، بينما رد إعلاميون سعوديون بوصف الإمارات بأنها معادية للإسلام، ومتحالفة بشكل مفرط مع إسرائيل، ومغامِرة في دعم الحركات الانفصالية في المنطقة.
وأعادت هذه اللغة إلى الأذهان أجواء التصعيد التي سبقت حصار قطر بين عامي 2017 و2021.
ويرى لينش أن ما يجري يتجاوز كونه خلافًا عابرًا بين دولتين خليجيتين، إذ يعكس محاولة سعودية لكبح ما تعتبره اندفاعًا إماراتيًا يهدد استقرار المنطقة، وفي الوقت نفسه موازنة دور إسرائيل التي باتت تُنظر إليها في الرياض باعتبارها لاعبًا متهورًا.
وقد برز ذلك بوضوح مع الزيارة المفاجئة لوزير الخارجية السعودي إلى القاهرة، حيث أعلنت مصر دعمها الكامل لمواقف الرياض في ليبيا والسودان، في إشارة إلى اصطفاف إقليمي جديد.
ويشير التحليل إلى أن الإمارات انتهجت خلال العقد الماضي سياسة خارجية هجومية ومستقلة نسبيًا. فقد شاركت مع السعودية في مواجهة تداعيات الربيع العربي، وفي التدخلات العسكرية في ليبيا واليمن، ولعب رئيسها محمد بن زايد دورًا محوريًا في صعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.
إلا أن الشقوق بدأت تظهر لاحقًا، خاصة مع تباين المواقف في السودان وليبيا واليمن، حيث دعمت أبوظبي قوى مختلفة عن تلك التي دعمتها الرياض.
وكان لتوقيع الإمارات اتفاقيات أبراهام مع إسرائيل عام 2020 أثر بالغ في تعميق الفجوة. فهذه الاتفاقيات فصلت التطبيع عن القضية الفلسطينية، ودفعت باتجاه تعاون أمني وسياسي وثيق مع إسرائيل، وهو مسار احتفظت السعودية بمسافة واضحة عنه.
ومع اندلاع حرب إسرائيل على قطاع غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، تغيّرت الحسابات السعودية بشكل أعمق، إذ بات الرأي العام العربي عاملًا ضاغطًا، وعادت الرياض إلى ربط أي تطبيع مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية.
ويحذر الكاتب من أن تبلور انقسام واضح بين محور تقوده السعودية وآخر يضم الإمارات وإسرائيل قد يفرض على دول المنطقة الاصطفاف القسري، ما ينذر بتأجيج صراعات قائمة في السودان وليبيا واليمن وسوريا، ويمتد تأثيره إلى البحر الأحمر وقرن أفريقيا.
كما يلفت إلى أن السيطرة على الموانئ والممرات البحرية، خاصة مضيق باب المندب، أصبحت جزءًا أساسيًا من هذا التنافس.
أما الولايات المتحدة، فيبدو موقفها، وفق فورين بوليسي، غامضًا ومربكًا. ففي ظل إدارة منشغلة بملفات متعددة وضغوط إسرائيلية متزايدة، قد تكتفي واشنطن بمراقبة التحول الإقليمي من دون تدخل حاسم، أو قد تقدم على خطوات تزيد من حدة الاضطراب.
ويخلص التحليل إلى أن المنطقة تقف أمام مفترق طرق حاسم، حيث لم يعد الخلاف السعودي–الإماراتي شأنًا ثنائيًا، بل عاملًا رئيسيًا في إعادة رسم خريطة التحالفات والصراعات في الشرق الأوسط.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73646