تشير تقديرات خبراء أسواق الطاقة إلى أن أي هجمات عسكرية قد تشنّها الولايات المتحدة ضد إيران لن تُحدث صدمة سعرية كبيرة أو طويلة الأمد في أسواق النفط العالمية، في ظل استمرار فائض المعروض واختلال ميزان العرض والطلب لمصلحة وفرة الإمدادات.
ورغم أن التوترات الجيوسياسية غالباً ما تدفع الأسعار إلى الارتفاع على المدى القصير، إلا أن التأثير الإجمالي يُتوقع أن يبقى محدوداً وسريع الزوال.
وقال مانبريت جيل، كبير مسؤولي الاستثمار في أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا لدى بنك «ستاندرد تشارترد»، إن أسواق الطاقة قد تشهد ردة فعل آنية إذا تصاعدت التهديدات الأميركية تجاه طهران، لكن هذه التحركات ستكون مدفوعة بالمشاعر أكثر من الأساسيات الاقتصادية.
وأضاف أن التجارب القريبة تُظهر قدرة السوق على امتصاص الصدمات، مستشهداً بما حدث خلال المواجهة التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل في يونيو الماضي، حين ارتفعت الأسعار مؤقتاً ثم عادت إلى مستوياتها السابقة.
وأوضح جيل أن الفارق الجوهري يكمن بين التحركات قصيرة الأجل الناتجة عن القلق السياسي، وبين واقع العرض والطلب في السوق العالمية.
وقال: «عند النظر إلى الأرقام، يتضح أن هناك فائضاً كبيراً في أسواق الطاقة، وأنه لا بد من سحب كميات ضخمة من الإمدادات العالمية لإحداث تأثير طويل الأمد على الأسعار».
وأشار إلى أن حتى الحرب الروسية–الأوكرانية، التي أدت إلى تراجع جزء كبير من صادرات الطاقة الروسية، لم تُفضِ إلى ارتفاع دائم في أسعار النفط، بسبب وفرة الإمدادات من مصادر أخرى وقدرة السوق على إعادة التوازن.
وانعكس هذا التقييم بالفعل على حركة الأسعار في الأيام الأخيرة. فقد انخفضت أسعار النفط بأكثر من 4 في المئة، الخميس، بعد أن خفّت المخاوف بشأن الإمدادات من الشرق الأوسط، عقب تلميحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تأجيل أي عمل عسكري ضد إيران.
وتراجع سعر خام برنت إلى نحو 63.7 دولاراً للبرميل، فيما هبط خام غرب تكساس الوسيط إلى قرابة 59.3 دولاراً.
وجاءت هذه التحركات في وقت صعّد فيه ترامب لهجته تجاه القيادة الإيرانية على خلفية الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها البلاد، متهماً السلطات بارتكاب انتهاكات بحق المتظاهرين.
لكنه عاد ليقول من المكتب البيضاوي إن التقارير الواردة تشير إلى توقف عمليات القتل والإعدامات، مضيفاً أنه «سيكون مستاءً للغاية» إذا استؤنفت.
ويرى محللون أن شدة أي صدمة سعرية محتملة ستتوقف على مسار الأحداث السياسية والعسكرية، لكنهم يؤكدون أن الإطار العام للسوق لا يدعم قفزات كبيرة ومستدامة في الأسعار. فالإنتاج المرتفع من خارج منظمة «أوبك»، إضافة إلى المخزونات التجارية، يوفّر هامش أمان واسعاً أمام أي اضطراب مفاجئ.
وفي هذا السياق، لفت جيل إلى أن أولوية الولايات المتحدة تبقى تجنّب ارتفاع التضخم المحلي، وهو ما يشكّل قيداً عملياً على أي تصعيد قد يؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار الطاقة.
وقال إن التجربة الأميركية الأخيرة في ملفات التجارة والرسوم الجمركية أظهرت أن الخطاب السياسي الصاخب لا يترجم دائماً إلى إجراءات تُفاقم الضغوط التضخمية.
من جانبه، قال كريستيان نولتينغ، كبير مسؤولي الاستثمار في «دويتشه بنك»، إن تطورات أسعار النفط يجب أن تبقى تحت المراقبة الدقيقة، نظراً لتأثيرها المباشر على التضخم العالمي وسياسات البنوك المركزية.
وأضاف أن أي ارتفاع كبير في أسعار الخام قد يقيّد قدرة هذه البنوك على خفض أسعار الفائدة، ما قد يغيّر حسابات السياسة النقدية في الاقتصادات الكبرى.
وتتداخل هذه المعطيات مع ملفات أخرى تضغط على السوق، من بينها تهديد ترامب بفرض رسوم جمركية بنسبة 25 في المئة على شركاء إيران التجاريين، وعلى رأسهم الصين.
ورغم أن مثل هذه الخطوات قد تعقّد العلاقات التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، يرى محللون أن السوق باتت تتعامل مع هذا النوع من التهديدات باعتباره جزءاً من مفاوضات مستمرة أكثر منه تحولاً جذرياً.
وفي المحصلة، يتفق الخبراء على أن أسواق النفط، رغم حساسيتها للتوترات الجيوسياسية، باتت أقل عرضة للصدمات الحادة مما كانت عليه في السابق.
فوفرة المعروض، وتنوّع مصادر الإمداد، واعتبارات التضخم العالمي، جميعها عوامل تُرجّح أن يبقى أي تأثير ناتج عن تصعيد محتمل مع إيران محدوداً ومؤقتاً، دون أن يتحول إلى أزمة طاقة شاملة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73731