عوائد ضخمة تجذب المهربين إلى الحدود السورية – اللبنانية الوعرة

يتمركز في جنوب قرية زيتا السورية، مسلحون على ساتر ترابي قرب منزل مهجور مطلي باللونين الأحمر والكريمي وسط محاولات للتصدي لتزايد أنشطة المهربين إلى الحدود السورية – اللبنانية.

ففي هذه المنطقة الوعرة من غرب سوريا، نصبت قوات الأمن خلال الشهر الماضي كمائن لمهربين حاولوا نقل أسلحة إلى لبنان، في واحدة من أكثر النقاط الحدودية هشاشة وتعقيداً.

وخلف طريق موحل صخري وبساتين مهجورة، يظهر مسجد داخل الأراضي اللبنانية على بعد بضع مئات من الأمتار فقط.

ويقول مسؤول أمني كبير إن القوات نصبت كميناً من مبنى رمادي منخفض مجاور، وتمكنت من اعتراض مخبأ للأسلحة داخل المنزل الأحمر والكريمي، بينما كان الوسطاء ينشطون في المنطقة.

وكانت هذه العملية واحدة من عشرات المداهمات وعمليات ضبط الأسلحة والمخدرات التي شهدتها المنطقة الحدودية النائية خلال العام الماضي، حيث تقل الحركة البشرية، وتخيّم على المنازل المدمرة والمهجورة أجواء صمت ثقيل.

جهود أمنية… ونجاحات جزئية

قال محمد القدسي، مدير الأمن في منطقة القصير، إن تعزيز الدوريات، وإغلاق الطرق غير الشرعية، وفرض غرامات مالية على المخالفات الأقل خطورة، ساعد قوات الأمن على الحد من محاولات التهريب.

كما أسهم توحيد أسعار الوقود مع لبنان في تقليص الحوافز لتهريب المنتجات النفطية المكررة.

وأضاف: «باستخدام القوة في بعض الحالات، أدت هذه العوامل إلى وقف التهريب والسيطرة على الحدود بنسبة تزيد على 90 في المائة».

لكن، ورغم ذلك، لا يزال مهربو المخدرات والأسلحة غير المشروعة يحاولون اختراق هذه الحدود الرخوة، مدفوعين بعوائد مالية ضخمة. وشهدت المنطقة اشتباكات دامية خلال العام الجاري في ظل حملة قوات الأمن على شبكات التهريب.

وقال القدسي: «لا تزال أنشطتهم مستمرة بسبب العوائد الضخمة».

إرث حزب الله والفراغ الأمني

على مدى سنوات، استخدمت منطقة القصير، التابعة لمحافظة حمص، كقاعدة تدريب وإمداد لمقاتلي حزب الله اللبناني المدعوم من إيران، وفقاً لمسؤولين عسكريين وأمنيين ومحللين سوريين.

وقد دعم الحزب نظام بشار الأسد لأكثر من عقد خلال الحرب الأهلية، قبل أن ينسحب من المنطقة بعد الإطاحة به على يد متمردي هيئة تحرير الشام وخروجهم من دمشق في ديسمبر الماضي.

اليوم، تغيّر المشهد. فقد سيطر الجيش السوري وقوات الأمن الداخلي على المنطقة، غير أنها ظلت ممراً رئيسياً لتهريب الأسلحة والمخدرات والوقود والسلع الاستهلاكية وحتى البشر، بحسب مسؤولين سوريين ولبنانيين.

تعاون محدود وحدود غير مرسّمة

تتولى وحدات من وزارة الداخلية السورية تنفيذ المداهمات وعمليات الضبط، بما في ذلك فرق مكافحة المخدرات وقوات الأمن الداخلي.

وقال مسؤول أمني لبناني رفيع إن الأوضاع «خرجت عن السيطرة» عقب سقوط نظام الأسد، قبل أن يعيد الجيش فرض سلطته ويغلق طرق تهريب فُتحت حديثاً، مستخدماً كاميرات وأجهزة استشعار ودوريات.

وأضاف: «منذ منتصف العام، انخفضت أنشطة التهريب، لكنها لا تزال كبيرة».

وأشار إلى أن العلاقات السورية – اللبنانية لطالما اتسمت بالتوتر، ورغم وجود بعض التعاون في مكافحة التهريب، فإنه لم يصل إلى مستوى متكامل. ويزيد من تعقيد المشهد عدم ترسيم الحدود في منطقة القصير، رغم اتفاق وُقّع في مارس الماضي بين البلدين للتفاوض بشأن ذلك.

أبعاد سياسية واجتماعية

احتل نظام الأسد لبنان لمدة 28 عاماً، وأسهم تدفق اللاجئين السوريين خلال الحرب الأهلية في تفاقم التوترات الاجتماعية. وبعد سقوط النظام، ضغطت دمشق على بيروت لإعادة آلاف السوريين المحتجزين في السجون اللبنانية.

وفي هذا الشهر، أعلن الرئيس اللبناني جوزيف عون استعداد بلاده لبدء عملية ترسيم الحدود الممتدة على 330 كيلومتراً مع سوريا، بينما لم ترد وزارة الخارجية السورية على طلب للتعليق.

وقال مهند حاج علي، الزميل البارز في معهد كارنيغي للشرق الأوسط، إن ترسيم الحدود يمثل أولوية أعلى للبنان مقارنة بسوريا، التي تضع مسألة عودة مواطنيها المحتجزين في السجون اللبنانية في مقدمة اهتماماتها.

اقتصاد التهريب واستمراره

في محيط قرية حويك، لا يفصل بين البلدين سوى بستان زيتون وباب معدني صدئ ملقى على الأرض. وبالقرب منه، فيلا ضخمة مزودة بأبراج وشرفة، قال القدسي إنها كانت مملوكة لأحد أباطرة المخدرات، ويستخدمها الجيش السوري حالياً كمركز عسكري.

وأشار مسؤولون إلى أن القرية كانت خاضعة لنفوذ عشيرة زعيتر المعروفة بنشاطها في التهريب، وقد ألقت القوات اللبنانية الشهر الماضي القبض على نوح زعيتر، المتهم بإدارة شبكة تهريب دولية.

ورغم نفي حزب الله أي صلة له بتجارة المخدرات خلال حكم الأسد، تؤكد مصادر أن المقربين من النظام السابق جنوا ثروات ضخمة من هذه التجارة. ولا تزال محاولات التهريب مستمرة، إذ أحبطت قوات الأمن السورية في أكتوبر محاولة تهريب 11 مليون حبة كبتاغون.

وأظهرت إحصاءات رسمية أن قوات الأمن في حمص اعتقلت بين مايو وأكتوبر 2025 نحو 202 شخصاً، وصادرت 120 شحنة مخدرات، وأحبطت 19 محاولة تهريب أسلحة.

وقال القدسي إن الفقر يمثل عائقاً رئيسياً أمام مكافحة التهريب، مشيراً إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر. وأضاف: «لا يمكن مطالبة السكان بالتوقف عن التهريب دون توفير بدائل وفرص عمل».

وبينما يعود النازحون تدريجياً إلى القصير، لا تزال عشرات المباني مدمرة، وجسور رئيسية لم تُرمم بعد. ورغم بوادر الحياة، تبقى المنطقة ساحة مفتوحة لصراع طويل بين الأمن والتهريب.

واختصر مسؤول أمني لبناني المشهد بالقول: «مكافحة التهريب أشبه بلعبة اضرب الخلد… كلما أُغلق طريق، فُتح آخر».

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.