أعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي (PIF)، وهو صندوق الثروة السيادي للمملكة وأحد ركائز رؤية 2030، عن خفض تقييم مشروعاته العملاقة داخل السعودية بمقدار 8 مليارات دولار، لتبلغ قيمتها الإجمالية نحو 56 مليار دولار بنهاية 2024، مقارنة بـ64 مليار دولار في العام السابق، أي بانخفاض نسبته 12.4%.
وأفادت مصادر مطلعة بأن التخفيضات تعود إلى تغيرات في الخطط التشغيلية، وضغوط الأسواق العالمية، وارتفاع التكاليف المقررة، مما أثر على جدوى بعض هذه المشاريع الضخمة.
ويمتلك الصندوق خمسة مشروعات عملاقة، أبرزها مشروع نيوم البالغ قيمته المعلنة 500 مليار دولار، والذي يضم المدينة الخطية المستقبلية المعروفة بـ”ذا لاين” على ساحل البحر الأحمر.
ورغم الترويج له كمشروع أيقوني ضمن رؤية ولي العهد محمد بن سلمان لتحديث المملكة وتنويع اقتصادها، إلا أن مسؤولين سعوديين أكدوا أن المشروعات الكبرى، ومنها نيوم، ستخضع للتنفيذ على مراحل أو تقليص بعض مكوناتها، في ظل ضغط تراجع أسعار النفط على الإنفاق الحكومي.
تحديات نيوم تشمل حجم المشروع الهائل، وبناؤه من الصفر في منطقة نائية، إضافة إلى تعقيدات لوجستية وهندسية أثرت على الجدول الزمني.
تأثير النفط على الميزانية
رغم جهود التنويع، لا تزال السعودية تعتمد على النفط لتأمين أكثر من 60% من إيراداتها، ما يجعل الميزانية العامة عرضة لتقلبات الأسعار.
وقالت آنا ناكفالوفايت، الباحثة في جامعة أكسفورد والمتخصصة في صناديق الثروة السيادية، إن العوامل الجيوسياسية والتحديات الفنية ربما ساهمت في خفض التقييمات، لكنها أضافت:
“المبلغ كبير، لكن من الطبيعي أن تحدث بعض الخسائر قبل الوصول إلى أهداف 2030.”
تقرير الصندوق السنوي: أرقام متباينة
التخفيضات في تقييم المشاريع العملاقة جاءت ضمن التقرير السنوي للصندوق لعام 2024، الذي كشف عن ارتفاع إجمالي الأصول تحت الإدارة إلى نحو 913 مليار دولار، بزيادة 19% عن 2023.
لكن نسبة المشروعات العملاقة في المحفظة تراجعت إلى 6% فقط من إجمالي الأصول، بعد أن كانت 8% في العام السابق.
أرامكو: مصدر قوة وضغط في آن واحد
من أبرز التطورات خلال 2024 تحويل الحكومة السعودية 8% إضافية من أسهم أرامكو إلى الصندوق، لترتفع حصته إلى 16%. هذه الخطوة ساهمت في زيادة الأصول، لكن تراجع أسعار النفط أضر بالقيمة السوقية لأرامكو، التي انخفضت أسهمها بنسبة 14.3% منذ بداية العام، مع خفض توزيعات الأرباح.
كما أثر ذلك على أداء الصندوق، الذي سجل متوسط عائد سنوي بنسبة 7.2% في 2024، مقارنة بـ 8.7% في 2023، في حين هبط صافي أرباحه بنسبة 60% نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة والتضخم وتراجع قيمة بعض الأصول.
مقارنة مع تجارب عالمية
المحللة ناكفالوفايت لفتت إلى أن الأداء السلبي ليس حالة فريدة، مشيرة إلى أن صندوق الثروة السيادي النرويجي — الأكبر في العالم — سجل خسائر أيضاً العام الماضي.
هذا يعكس أن الصناديق السيادية تواجه ضغوطاً مشتركة من التقلبات الاقتصادية العالمية، بما في ذلك تشديد السياسات النقدية وتباطؤ النمو.
تحوّل في الأولويات الاستثمارية
برنامج رؤية 2030 حوّل الصندوق من كيان يركز على الاستثمارات المحلية المحدودة إلى لاعب عالمي بارز، دخل في صفقات دولية مثيرة للجدل مثل بطولات الغولف ومشاريع السيارات الكهربائية المنافسة لتسلا.
لكن بيانات 2024 تظهر أن الصندوق قلّص حصة الاستثمارات الدولية إلى 17% فقط من محفظته، مقارنة بـ20% في 2023، في إشارة إلى إعادة توجيه رأس المال نحو الداخل.
كما أكد صندوق النقد الدولي أن الصندوق وأرامكو أعادا جزءاً من أصولهما الأجنبية إلى السوق المحلي، بما يتماشى مع استراتيجية دعم المشاريع الوطنية الكبرى.
تحديات أمام الطموحات
رغم حجم الأصول الضخم، فإن خفض تقييم المشروعات العملاقة يطرح تساؤلات حول قدرة المملكة على تمويل واستكمال جميع مشاريع رؤية 2030 في المدى الزمني المحدد، خاصة في حال استمرار ضعف أسعار النفط أو حدوث تراجع اقتصادي عالمي.
كما أن تنفيذ المشاريع على مراحل أو تقليصها قد يقلل من الزخم التسويقي للرؤية، حتى لو كان ذلك يهدف لضمان الاستدامة المالية.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72342