تصعيد في القتال بين إسرائيل والحوثيين بعد استخدام “القنابل العنقودية”

شهدت المواجهة العسكرية بين إسرائيل والحوثيين في اليمن تصعيدًا خطيرًا خلال الأيام الماضية، بعد أن أطلقت الجماعة اليمنية للمرة الأولى صاروخًا يحمل رأسًا حربيًا يحتوي على قنبلة عنقودية، في تطور يثير المخاوف من انزلاق المنطقة إلى مواجهة مفتوحة جديدة.

ووفقًا للجيش الإسرائيلي وخدمة الإسعاف المحلية، فقد أصابت شظايا الصاروخ منزلًا في وسط إسرائيل يوم الجمعة الماضي، دون أن تُسفر عن إصابات بشرية. غير أن الرد الإسرائيلي كان سريعًا وعنيفًا، إذ شنت طائرات حربية غارات مكثفة على العاصمة اليمنية صنعاء التي يسيطر عليها الحوثيون.

وفي سلسلة هجمات نُفذت يوم الأحد، استهدفت الغارات الإسرائيلية القصر الرئاسي، محطتين لتوليد الطاقة، ومنشأة لتخزين الوقود. وقال الجيش الإسرائيلي إن هذه المنشآت تُستخدم “لأغراض عسكرية” من جانب الحوثيين. وأسفرت الضربات عن مقتل ستة أشخاص على الأقل وإصابة أكثر من 80 آخرين، بحسب مصادر طبية يمنية.

وشوهدت أضرار جسيمة في البنية التحتية المدنية، بما في ذلك منشأة تابعة لشركة نفطية في صنعاء، مما أثار مخاوف من تداعيات إنسانية أوسع وسط الصراع المستمر في اليمن.

الحوثيون بين غزة والبحر الأحمر

بدأ الحوثيون إطلاق النار على إسرائيل بعد اندلاع الحرب في غزة، حيث أعلنوا أنهم يتحركون “نصرةً للشعب الفلسطيني”. ولم تقتصر عملياتهم على إطلاق الصواريخ تجاه إسرائيل، بل امتدت إلى استهداف سفن شحن دولية في البحر الأحمر، وهو ما تسبب في تعطيل حركة التجارة العالمية وإثارة قلق واسع بين شركات الملاحة.

وردًا على ذلك، شنت إسرائيل ضربات جوية وصاروخية على مواقع الحوثيين في اليمن، بينما تدخلت الولايات المتحدة في مرحلة سابقة ووجهت ضربات عسكرية ضد الجماعة، قبل أن يعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتهاء العمليات الأميركية في مايو الماضي.

ورغم أن الحوثيين يُعتبرون حليفًا تقليديًا لإيران، فإن قدرة طهران على دعمهم تراجعت بشكل كبير عقب 12 يومًا من القتال المباشر مع إسرائيل في يونيو الماضي، والذي ألحق أضرارًا بالغة بالقدرات العسكرية الإيرانية. لكن اللافت أن الحوثيين استمروا في شن هجمات منتظمة على إسرائيل، رغم ضعف داعمهم الرئيسي، وهو ما أثار تساؤلات حول مدى قدرة الحملة الإسرائيلية على كبح نشاطهم.

تحديات إسرائيل في “حرب بعيدة”

الباحث البارز في المعهد الإسرائيلي لدراسات الأمن القومي، يوئيل جوزانسكي، أوضح أن إسرائيل تواجه صعوبات خاصة في التعامل مع الحوثيين نظرًا لبعد المسافة الجغرافية.
وقال “من الصعب جدًا على إسرائيل العمل على بُعد 2000 كيلومتر من أراضيها. هذا يختلف عن الحملة على إيران، حيث كان لدى إسرائيل سنوات لجمع المعلومات الاستخبارية وتطوير بنك أهداف وتدريب قواتها الجوية”.

وأشار غوزانسكي إلى أن طبيعة الحوثيين كجماعة مسلحة لامركزية تعقّد مهمة إسرائيل في تحديد واستهداف مواقع القيادة والسيطرة أو تصفية قيادات بارزة، ما يجعل الحملة عرضة لأن تتحول إلى حرب استنزاف طويلة ومكلفة.

آلاف الإسرائيليين في الملاجئ

في حين تراجعت أو توقفت الهجمات الصاروخية من قبل خصوم إسرائيل الآخرين مثل حماس في غزة وحزب الله في لبنان، فإن القذائف الحوثية ما زالت تتساقط بانتظام، ما يدفع آلاف الإسرائيليين إلى الملاجئ أسبوعيًا. ويشكل ذلك ضغطًا على الجبهة الداخلية الإسرائيلية التي لم تعتد على تهديدات بعيدة المدى بهذا الشكل المستمر.

وقد توعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الحوثيين بعد الغارات الأخيرة، قائلًا: “نظام الحوثي الإرهابي يتعلم درسًا قاسيًا، وهو يدفع بالفعل ثمنًا باهظًا جدًا لأعماله العدوانية ضد دولة إسرائيل”.

أما وزير الجيش الإسرائيلي إسرائيل كاتس فقد وصف هجمات الحوثيين بأنها “وباء وظلام”، مضيفًا أن تل أبيب لن تتردد في توسيع نطاق الرد العسكري إذا لزم الأمر.

ويرى بعض المحللين أن استهداف القصر الرئاسي في صنعاء يعبّر عن رمزية سياسية أكثر منه إنجازًا عسكريًا. إذ يقول غوزانسكي إن إسرائيل “تفتقر إلى ما يكفي من الأهداف النوعية في اليمن”، ما يدفعها إلى مهاجمة مواقع ثانوية مثل منشآت الطاقة أو مخازن الوقود، من دون القدرة على إصابة مراكز القيادة الفعلية للجماعة أو استهداف كبار قادتها.

ومع استمرار إطلاق الحوثيين قذائف طويلة المدى رغم الضربات، تبرز مخاوف داخل إسرائيل من التورط في نزاع استنزاف لا يخدم مصالحها الإستراتيجية. فبينما تستهدف إسرائيل ردع الحوثيين وإضعافهم، فإن طول أمد المواجهة وغياب أهداف دقيقة يطرح تساؤلات حول جدوى هذه الحملة العسكرية.

وبينما يشير بعض المراقبين إلى أن إسرائيل قد تحاول تكثيف الضربات في الفترة المقبلة لفرض معادلة ردع أكثر صرامة، فإن آخرين يحذرون من أن الحوثيين اعتادوا على بيئة الصراع الطويل، ما يجعل فرص إنهاء المواجهة سريعًا محدودة للغاية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.