كتاب أمريكي جديد: محمد بن سلمان يكرس قبضته بوجه غير تقليدي في السعودية

في وقت يشهد تحولات اجتماعية واقتصادية غير مسبوقة، يطل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بوجه غير تقليدي كحاكم شاب مولع بالتقنية وألعاب الفيديو، يرى فيها أداة للتفكير واتخاذ القرارات.

هذه المفارقة تكشف الكثير عن شخصية الأمير الذي يقود بلاده بخطى سريعة، وأحياناً قاسية، نحو مستقبل يريده مختلفاً جذرياً عما عرفته السعودية من قبل.

ففي كتاب جديد للصحفية الأميركية المخضرمة كارين إليوت هاوس، بعنوان «الرجل الذي سيصبح ملكاً: محمد بن سلمان وتحول السعودية»، المقرر صدوره في الثامن من يوليو، يكشف الأمير تفاصيل عن شغفه بألعاب الفيديو، مؤكداً أنها ليست مجرد تسلية بل تدريب ذهني.

يقول محمد بن سلمان لهاوس: «ألعاب الفيديو تضغط على الدماغ وتجعلك تفكر»، في إشارة إلى لعبته المفضلة «فاينال فانتسي 16»، التي تدور حول شاب يرث العرش ويسعى لاستعادة بلورة مسروقة، ويكتشف في النهاية أنه الملك الحقيقي.

ورغم جدول عمله المزدحم ومسؤولياته العائلية كأب لخمسة أطفال، لا يزال الأمير يجد وقتاً للعب كل صباح، وهو ما تراه هاوس جزءاً من شخصيته التي تمزج بين حداثة التفكير وشغفه الشديد بالسلطة والحسم.

انقلاب اجتماعي وسياسي

منذ وصول والده الملك سلمان إلى العرش عام 2015، لم يتوقف محمد بن سلمان عن التحرك سريعاً لإعادة صياغة شكل الحكم والمجتمع في المملكة.

تصفه هاوس ساخرة بأنه «على عكس الله الذي خلق العالم في ستة أيام واستراح في اليوم السابع، فإن الأمير لا يعرف الراحة طوال الأسبوع». ففي يوم جنازة الملك الراحل عبد الله، عقد الأمير اجتماعاً ليلاً مع مستشاريه لإعادة هيكلة الحكومة، قائلاً لهم: «خذوا وقتكم… لكن قرروا الليلة».

هذه السرعة كانت عنواناً لمسيرته السياسية؛ إذ أزاح خلال أقل من عامين ابن عمه محمد بن نايف من ولاية العهد، وشن حملة واسعة شملت توقيف مئات من الأمراء والمسؤولين ورجال الأعمال في فندق الريتز كارلتون بالرياض عام 2017، في ما اعتُبر أكبر حملة مكافحة فساد في تاريخ المملكة.

تقول هاوس: «ما حدث في الريتز لم يكن مجرد نزاع عائلي، بل كان إعادة رسم موازين القوة في البلاد»، وتشير إلى أن أحد الموقوفين دفع مليار دولار لتسوية قضيته.

قضية خاشقجي وظل القسوة

وبرزت قسوة نهجه في أبهى صورها حين طفت إلى السطح قضية مقتل الصحفي جمال خاشقجي داخل القنصلية السعودية في إسطنبول في أكتوبر 2018، والتي هزت صورة السعودية عالمياً.

وبينما ينفي محمد بن سلمان أي تورط مباشر، ترى هاوس أن السيطرة شبه المطلقة للأمير على أجهزة الدولة تجعل من الصعب تصور وقوع عملية بهذه الخطورة دون علمه.

وتنقل عن شابة سعودية قولها: «نعرف أنه متورط، لكن لا نريد التفكير في ذلك لأنه أنجز أشياء جيدة كثيرة».

إصلاح اجتماعي… مع هامش قمعي

لكن صورة محمد بن سلمان لا تتلخص في قبضة أمنية حديدية فحسب. فقد أطلق الأمير تحولات اجتماعية عميقة طالت المرأة والحياة العامة.

تقول هاوس إن مشاهد النساء وهن يخرجن ليلاً لمطاعم فاخرة أو يسافرن دون ولي أمر ذكر كانت قبل سنوات مجرد خيال، لكنها أصبحت اليوم جزءاً من المشهد الطبيعي في السعودية الجديدة.

وتوضح هاوس أن محمد بن سلمان نفسه عاش في بيئة مغلقة، خالية من الترفيه، حيث كانت الأفلام والموسيقى ممنوعة، وكان التلفزيون الرسمي يقتصر على بث خطب رجال دين بلحى طويلة ووجوه عابسة.

ومع ذلك، لم يكن طفلاً مدللاً رغم مكانته كابن للملك؛ إذ يقول الأمير إنه لم يكن المفضل لدى والده، وكان مخصصه الأسبوعي لا يتجاوز ألفي ريال سعودي (حوالي 500 دولار)، مقارنة بأبناء عمومته الذين يحصلون على عشرة أضعاف هذا المبلغ.

حتى في السفر، كان الملك يقضي إجازاته مع زوجته الأولى في ماربيا، بينما تمكث عائلة محمد بن سلمان في برشلونة، ما ترك أثراً في شخصيته التواقة إلى إثبات الذات.

رؤية 2030 وكسر الاعتماد على النفط

الأمير يرى نفسه مصلحاً جذرياً يريد اقتلاع جذور الاعتماد على النفط، ويعتبر «رؤية 2030» مشروع حياته، حيث يطمح إلى بناء اقتصاد متنوع يشمل السياحة، والرياضة، والتكنولوجيا، ومدن مستقبلية مثل «نيوم» التي تُخطط لتضم شواطئ متوهجة ليلاً وأقماراً صناعية تضيء السماء.

لكن رغم الانفتاح الاجتماعي، لا يزال سقف الحريات السياسية منخفضاً للغاية. تقول هاوس: «سُجن المئات بسبب تهم غير واضحة، في الغالب لأنهم أزعجوا محمد بن سلمان بطريقة أو بأخرى».

ورغم ذلك، ترى الكاتبة أن ولي العهد يحظى بشعبية كبيرة بين الشباب، الذين تربوا في مجتمع يجرّم الترفيه، لكنهم اليوم يعيشون عصراً مختلفاً.

وتختم هاوس: «محمد بن سلمان يجمع بين كونه مصلحاً يسعى إلى بناء مملكة جديدة، وحاكماً يمسك بكل الخيوط بقبضة لا تعرف الرحمة… ولا تفلت من عينه حتى التفاصيل الصغيرة».

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.