بلومبيرغ: صراع النفوذ الخليجي بين السعودية والإمارات ينتقل إلى ذهب السودان

تتجه المنافسة السعودية–الإماراتية إلى ساحة جديدة عالية الحساسية، مع تحركات تقودها الرياض للدخول بقوة إلى سوق الذهب السوداني، في خطوة قد تعيد رسم خريطة تجارة مورد حيوي لطرفي الصراع في السودان، وتقتطع جزءًا من هيمنة إماراتية استمرت سنوات على هذا القطاع المربح.

وبحسب تقرير لوكالة بلومبيرغ، تستعد المملكة العربية السعودية لشراء الذهب من السودان الذي تمزقه الحرب، بعد أن كانت الإمارات الوجهة الرئيسية لتكرير وتصدير الذهب السوداني المسجّل رسميًا.

ويأتي هذا التحول في وقت تتصاعد فيه الخلافات السياسية والاقتصادية بين القوتين الخليجيتين، ووسط قطيعة معلنة بين الحكومة السودانية المدعومة من الجيش وأبوظبي.

ففي خضم حرب أهلية تقترب من إتمام عامها الثالث، شحنت الحكومة السودانية ذهبًا بقيمة 1.97 مليار دولار إلى الإمارات خلال عام 2024.

غير أن هذا المسار بدأ يتغير بعد أن قطع الجيش السوداني علاقاته مع أبوظبي في يونيو/حزيران الماضي، متهمًا إياها بتقديم دعم عسكري لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات نفتها الإمارات مرارًا.

وفي هذا السياق، أعلنت شركة «السعودية لمصافي الذهب» – وهي شركة خاصة – للحكومة السودانية استعدادها «للبدء فورًا في شراء الذهب»، وفق ما نقل متحدث باسم الشركة السودانية للموارد المعدنية المملوكة للدولة.

ولم تُكشف تفاصيل عن الكميات أو جدول الشحن، كما لم يصدر تعليق رسمي من الحكومة السعودية أو الشركة المعنية رغم محاولات التواصل، بحسب بلومبيرغ.

وتشير هذه الخطوة إلى فتح جبهة تجارية جديدة ضمن نزاع أوسع بين الرياض وأبوظبي، بعد أن خرجت توترات مكتومة إلى العلن في ديسمبر/كانون الأول الماضي.

ووفق التقرير، منحت السعودية القوات الإماراتية مهلة 24 ساعة للانسحاب من اليمن في خطوة عكست حجم التباعد، قبل أن تتحرك الرياض لتقليص نفوذ جارتها الشرقية في ملفات أخرى، من بينها القرن الأفريقي.

ورغم عدم صدور قرارات دبلوماسية أو تجارية رسمية حتى الآن، أفادت بلومبيرغ بأن شركات عاملة في كلا البلدين بدأت إعداد خطط طوارئ تحسبًا لتصعيد إضافي قد ينعكس على حركة التجارة والاستثمار.

وتحافظ السعودية على علاقات وثيقة مع الجيش السوداني الذي يخوض منذ أبريل/نيسان 2023 حربًا مفتوحة ضد قوات الدعم السريع، وهي حرب يُعتقد أنها أودت بحياة مئات الآلاف ودمّرت البنية التحتية الاقتصادية للبلاد.

وبعد القطيعة مع الإمارات، أوقفت الخرطوم بعض أوجه التجارة، من بينها شحنات النفط، لكن الذهب ظل يتدفق إلى أبوظبي حتى وقت قريب.

ويُعد السودان أحد أكبر منتجي الذهب في أفريقيا، رغم غياب تقديرات دقيقة لحجم الإنتاج. ووفق البنك المركزي السوداني، صدّر السودان نحو 10.9 أطنان من الذهب بقيمة 1.05 مليار دولار خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الماضي، ذهب معظمها إلى الإمارات.

ويعكس ذلك اعتمادًا متزايدًا على الذهب كمصدر تمويل في ظل الحرب.

غير أن الصورة الرسمية لا تعكس كامل المشهد. إذ قال رئيس الشركة السودانية للموارد المعدنية في نوفمبر/تشرين الثاني إن نحو 80% من إنتاج الذهب يُهرَّب خارج البلاد دون تسجيل، ما يكلّف الدولة خسائر تُقدَّر بنحو 5 مليارات دولار.

وتواجه قوات الدعم السريع اتهامات بالاستفادة من هذه التجارة غير المشروعة، وهي اتهامات تنفيها بشكل متكرر.

وتقول خلود خير، مؤسسة مركز «كونفلوانس أدفايزوري» للأبحاث، إن دخول السعودية سوق الذهب السوداني «لن يقلب هيمنة الإمارات بالكامل»، مضيفة أن استيعاب كامل الإنتاج سيستغرق وقتًا.

ووصفت محاولة توجيه الشحنات نحو الرياض بأنها «خطوة سياسية تهدف إلى إظهار الاستياء من الإمارات» أكثر من كونها تحولًا تجاريًا شاملًا.

وتترافق هذه التحركات مع مؤشرات أخرى على تعمّق الدور السعودي في السودان. فقد تعهدت المملكة بالمساهمة في إعادة إعمار الخرطوم بعد استعادتها من قبل الجيش في مارس/آذار الماضي.

كما أعلنت الحكومة السودانية هذا الأسبوع أنها ستمنح أولوية للشركات السعودية في مشاريع إعادة الإعمار، بما يشمل السكك الحديدية والموانئ الاستراتيجية على البحر الأحمر.

ويعكس انتقال التنافس الخليجي إلى ملف الذهب السوداني تداخل الاقتصاد بالسياسة في صراعات المنطقة، حيث لم يعد الذهب مجرد سلعة تصديرية، بل ورقة نفوذ في صراع إقليمي مفتوح، يتجاوز حدود السودان ليطال توازنات الخليج والقرن الأفريقي في آن واحد.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.