دخلت الأزمة اليمنية مرحلة أكثر خطورة مع تزامن دعوات إماراتية علنية لخفض التصعيد والحوار، مع وقائع ميدانية تُكرّس مسار الانقسام جنوبًا، في وقت أعلنت فيه السعودية استعدادها لاستضافة محادثات يمنية حول ما يُسمى «القضية الجنوبية».
ويعكس المشهد تناقضًا صارخًا بين الخطاب الدبلوماسي والتحركات على الأرض، ويضع اليمن أمام مفترق طرق حاسم في وقت يبرز خطاب التهدئة الإماراتي عبر كلمات بلا التزامات.
فقد دعت الإمارات إلى «الحكمة وضبط النفس» و«الحوار البناء» لحل النزاعات الداخلية في اليمن، وفق بيان لوزارة الخارجية أعرب عن قلق أبوظبي من التصعيد الأخير.
وشدد البيان على أن الحوار هو السبيل لتحقيق الاستقرار الدائم وتلبية تطلعات الشعب اليمني، دون الإشارة إلى دور الإمارات المباشر في تشكيل موازين القوى جنوب البلاد خلال السنوات الماضية.
ويتجاهل هذا الخطاب، الذي يتكرر مع كل تصعيد، حقيقة أن المجلس الانتقالي الجنوبي، القوة الأكثر نفوذًا في الجنوب اليوم، هو نتاج دعم سياسي وعسكري مباشر من أبوظبي منذ 2015، وأن واقع السيطرة الميدانية لم ينشأ بمعزل عن هذا الدعم.
في المقابل، أعلنت السعودية ترحيبها بطلب رئيس المجلس القيادي الرئاسي رشاد العليمي عقد محادثات في الرياض، ودعت جميع الفصائل الجنوبية للمشاركة في مؤتمر يهدف إلى بلورة «حلول عادلة» للقضية الجنوبية.
وأكد العليمي أن الحوار يجب أن يشمل كل المكونات دون استثناء، بما فيها المجلس الانتقالي الجنوبي.
ويعكس التحرك السعودي قلقًا متزايدًا من انزلاق الجنوب إلى مسار أحادي يقوده المجلس الانتقالي، خارج إطار الدولة اليمنية المعترف بها دوليًا، ويهدد بتفجير صراع داخلي في وقت لا تزال فيه الجبهات مع الحوثيين مفتوحة.
وبلغ التصعيد السياسي ذروته مع إعلان المجلس الانتقالي الجنوبي إطلاق مرحلة انتقالية مدتها سنتان، تنتهي باستفتاء على تقرير المصير للجنوب وهو إعلان فُرض كأمر واقع مدعوم بقوة السلاح والسيطرة الميدانية.
ويفتح هذا المسار الباب أمام تفكك الدولة اليمنية، ويعيد إنتاج صراعات ما قبل 1990، في ظل غياب أي ضمانات قانونية أو سياسية لشرعية الاستفتاء، أو لتمثيله الحقيقي لمختلف مكونات الجنوب.
وعلى الأرض، تحوّل التوتر السياسي إلى مواجهات عسكرية، مع اندلاع اشتباكات في حضرموت عقب عملية عسكرية قادها المحافظ بدعم من رئيس المجلس التشريعي الشعبي لاستعادة مواقع يسيطر عليها المجلس الانتقالي.
في المقابل، أعلن المجلس تعرض مناطق جنوبية لغارات جوية، بينما أكد المحافظ السيطرة على أكبر معسكر عسكري في المحافظة.
وتنذر هذه التطورات بانفجار داخلي واسع، خاصة بعد أن بسط المجلس الانتقالي نفوذه على حضرموت والمهرة، معززًا سيطرته على معظم المحافظات الجنوبية، ومقوضًا سلطة الحكومة المركزية.
ورغم تأكيد وزارة الدفاع الإماراتية انتهاء وجودها العسكري في اليمن، فإن الوقائع تشير إلى استمرار النفوذ عبر قوات جنوبية دربتها أبوظبي ولعبت دورًا حاسمًا في طرد الحوثيين من الجنوب بين 2015 و2018، ثم تحولت لاحقًا إلى عمود فقري للمجلس الانتقالي.
ويضعف هذا النفوذ غير المباشر أي دعوة إماراتية للحوار، ويطرح تساؤلات حول جدية أبوظبي في دعم وحدة اليمن، مقابل سعيها لترتيبات نفوذ تضمن السيطرة على الموانئ وخطوط الملاحة.
وقد أعاد توحيد اليمن عام 1990 جمع شمال نشأ من ثورة 1962، وجنوب تشكل بعد انسحاب بريطانيا عام 1967، دون معالجة جذرية للانقسامات السياسية والاقتصادية. اليوم، تعود هذه الانقسامات بقوة السلاح، مدفوعة بتدخلات إقليمية وتضارب أجندات.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو أن دعوات الحوار، ما لم تُقترن بتفكيك أدوات الانقسام ووقف فرض الأمر الواقع، لن تكون سوى غطاء سياسي لمسار تقسيم يُدفع به اليمن نحو مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73550