تحذيرات تحققت: سقوط الفاشر يتحوّل إلى مجزرة مروّعة وسط دعوات دولية للمحاسبة

تحققت أسوأ المخاوف التي حذّر منها ناشطون وخبراء منذ شهور، مع سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال دارفور، بيد قوات الدعم السريع، وتحولها إلى مسرحٍ لمجزرة مروّعة ضد المدنيين المحاصرين.

وأكدت منظمات دولية ومصادر محلية أن ما جرى في المدينة خلال الأيام الماضية يُعد من أكثر الفصول دموية في الحرب الأهلية السودانية الممتدة منذ عامين.

ومنذ الأحد الماضي، حين اجتاح مقاتلو الدعم السريع مقرّ الحامية العسكرية في الفاشر – آخر معاقل الجيش السوداني في غرب البلاد – تواصلت الأنباء عن إعدامات ميدانية وعمليات قتل جماعي.

وأعلن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان أنه تلقى “تقارير مقلقة ومتعددة” حول الفظائع التي ارتُكبت منذ دخول القوات المدينة.

وقال بيان صادر عن المكتب: “تُظهر مقاطع فيديو مروّعة تلقيناها عشرات الرجال العزّل يُقتلون رمياً بالرصاص أو ممدّدين قتلى، يحيط بهم مقاتلو الدعم السريع.”

إخضاع السكان بالقتل العشوائي

تؤكد الأمم المتحدة أن هذه الجرائم ليست حوادث فردية، بل جزء من نمطٍ ممنهج يُظهر نية واضحة لإخضاع السكان عبر الرعب والقتل العشوائي.

ودعا السيناتور الأمريكي الجمهوري جيم ريش، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ، إلى تصنيف قوات الدعم السريع كمنظمة إرهابية أجنبية.

وقال على منصة “إكس”: “الفظائع في الفاشر ليست عرضية — إنها تنفيذ لخطة قديمة. هذه الميليشيا خاضت حرب رعب ضد الشعب السوداني وارتكبت جرائم إبادة… لا يمكن أن تكون أمريكا آمنة بينما يُذبح الآلاف.”

ووفق تقديرات الأمم المتحدة، فإن الحرب السودانية تسببت في نزوح أكثر من 14 مليون شخص ومقتل ما يزيد عن 150 ألفًا، بينما يواجه الملايين خطر المجاعة. ويمنح سقوط الفاشر قوات الدعم السريع سيطرة استراتيجية على طرق الإمداد والتجارة الممتدة بين السودان وليبيا وتشاد.

ويرى مراقبون أن انهيار دفاعات الجيش وفرار وحداته يوم الأحد قد يمكّن الدعم السريع من التقدم شرقًا ووسط البلاد، ما يهدد بانهيار أوسع في ميزان القوى.

وقال الفريق عبد الفتاح البرهان، القائد العام للجيش، في خطاب متلفز، إن الانسحاب جاء “نتيجة الدمار المنهجي الذي تعرّضت له المدينة.”

لكن ما تلا ذلك من قتلٍ وانتقامٍ واسع أظهر حجم العجز الدولي عن حماية المدنيين رغم التحذيرات المتكررة من تكرار سيناريوهات دارفور السابقة.

وأظهرت مقاطع مصوّرة مقاتلين يطاردون رجالاً ونساءً وأطفالاً ويطلقون عليهم النار وسط شتائم عنصرية، فيما عرضت صور الأقمار الصناعية أجسامًا متناثرة قرب مركبات تابعة للدعم السريع.

ومن بين الضحايا سهام حسن، أصغر نائبة برلمانية سابقة في السودان وناشطة اجتماعية كانت تدير مطبخًا لإطعام النازحين، إلى جانب الصحفي المستقل معمّر إبراهيم، الذي اعتُقل بعد أن وثّق مأساة الحصار في تقاريره لقناة الجزيرة.

وقال ناثانييل ريدموند، مدير كلية الصحة العامة بجامعة ييل، إن “حجم وسرعة ووحشية القتل في الفاشر خلّفت برك دماء تُرى من الأقمار الصناعية.” وأضاف مختبر الأبحاث الإنسانية في جامعة ييل أنه رصد “تقارير موثوقة عن عمليات قتل جماعي ودفن جماعي خلال الأيام الأخيرة”، مؤكدًا أن ما حدث “قد يرقى إلى جرائم إبادة جماعية.”

وجاء في بيان المختبر: “على العالم أن يتحرك فورًا لفرض أقصى قدر من الضغط على قوات الدعم السريع وداعميها، وخاصة الإمارات العربية المتحدة، لوقف القتل الآن.”

وشدد البيان ذاته على أن “العالم قد يدّعي لاحقًا أنه لم يستطع المنع، لكنه لا يستطيع القول إنه لم يكن يعلم.”

في المقابل، أصدرت قوات الدعم السريع بيانًا ادعت فيه التزامها بـ “حماية المدنيين”، ووصفت سيطرتها على الفاشر بأنها “تحريرٌ من القمع والإرهاب”، متعهدة بالتحقيق في مقاطع الفيديو المتداولة.

لكن منظمات حقوقية مثل Protection Approaches البريطانية أكدت أن “الإجراء الأكثر فاعلية لوقف المجزرة هو أن تأتي المكالمة الحاسمة من أبوظبي إلى قيادة الدعم السريع.”

ويرى مراقبون أن الصمت الدولي وغياب العقوبات الرادعة ضد الإمارات — المتهمة بتمويل وتسليح قوات حميدتي عبر تجارة الذهب والأسلحة — يمنح الميليشيا غطاءً لمواصلة جرائمها.

وبينما تتواصل الإدانات من مسؤولين غربيين، بينهم وزيرة الخارجية البريطانية يفيت كوبر، لم تُترجم هذه المواقف بعد إلى خطوات عملية توقف آلة القتل في دارفور.

وبين التحذيرات التي تحققت والمجازر التي تتكرّر، تبقى الفاشر شاهدًا جديدًا على فشل المجتمع الدولي في حماية المدنيين، فيما تتزايد الأصوات المطالبة بمحاسبة الميليشيات وداعميها على جرائم قد تُسجَّل في تاريخ السودان كواحدة من أكثر الكوارث دموية في القرن الحادي والعشرين.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.