تتسارع وتيرة الاقتراض من جانب الشركات والمؤسسات في الشرق الأوسط عبر قنوات التمويل الآسيوية، في وقت تتطلع فيه دول المنطقة إلى تنويع مصادر تمويلها بعيدًا عن أسواق السندات العالمية وأسواقها المحلية، وسط تحديات اقتصادية متزايدة تتعلق بأسعار النفط وبرامج التحول الاقتصادي المكلفة.
ووفق بيانات جمعتها بلومبيرغ، تجاوزت قيمة صفقات القروض الموجهة للبنوك الآسيوية من جهات مقترضة في الشرق الأوسط مؤخرًا حاجز ملياري دولار. من أبرز هذه الصفقات قرض بقيمة مليار دولار حصلت عليه الشركة السعودية للكهرباء، إلى جانب قرض بـ750 مليون دولار لبنك السعودي الفرنسي، وتمويل قدره 500 مليون دولار للبنك الأهلي الكويتي.
ويأتي هذا التوجه في سياق أوسع يشهد بحث المقترضين في منطقة الخليج تحديدًا عن سيولة خارجية لتمويل مشاريع تنموية ضخمة، في وقت تواجه فيه اقتصاداتهم ضغوطًا ناجمة عن انخفاض أسعار النفط، مقارنة بمستويات التوازن المالي التي تحتاجها ميزانياتهم. ففي السعودية، على سبيل المثال، يشير صندوق النقد الدولي إلى أن المملكة تحتاج إلى سعر نفط يبلغ 92 دولارًا للبرميل لتحقيق توازن ميزانيتها، بينما تتداول الأسعار حاليًا عند مستويات أدنى بكثير.
هذا الواقع دفع الحكومة والشركات السعودية إلى تكثيف الاقتراض لتمويل برنامج التحول الاقتصادي الذي أطلقه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والذي تقدر قيمته بنحو تريليوني دولار. وفي السياق ذاته، تتبنى قطر والكويت والإمارات خطط تنويع اقتصادي تتطلب إنفاقًا استثماريًا هائلًا على مدى سنوات، بعيدًا عن اعتمادها التاريخي على الطاقة التقليدية.
يقول أميت لاكواني، رئيس وحدة تسويق القروض العالمية في بنك ستاندرد تشارترد: «المقترضون في الشرق الأوسط، نظرًا لحجم احتياجاتهم التمويلية الكبيرة، أصبحوا أكثر انفتاحًا على تنويع علاقاتهم الائتمانية، وأكثر استعدادًا للاستفادة من الطلب القادم من آسيا». وأضاف أن السوق الآسيوية تتيح فرصًا للتمويل بعملات وآجال متنوعة، مقارنةً بما هو متاح محليًا في أسواق الشرق الأوسط.
وتشير بيانات بلومبيرغ إلى أن حجم القروض التي جمعتها جهات من الشرق الأوسط عبر منطقة آسيا والمحيط الهادئ وصل العام الماضي إلى أعلى مستوى له خلال ست سنوات، عند 5.2 مليار دولار. وتأتي الصفقات الأخيرة في أعقاب قرض كبير أبرمه بنك قطر الوطني بقيمة ملياري دولار في مارس الماضي، اجتذب نحو 30 مقرضًا، كان أغلبهم من البنوك الصينية واليابانية والتايوانية.
هذا الإقبال الآسيوي على قروض الشرق الأوسط يُعزى إلى عدة أسباب، منها نقص الصفقات الجديدة في الأسواق الآسيوية المحلية. إذ انخفض حجم القروض المجمعة، المقومة بالدولار الأميركي واليورو والين الياباني، بنسبة 30% هذا العام ليبلغ 53 مليار دولار فقط في منطقة آسيا والمحيط الهادئ (باستثناء اليابان)، وهو أدنى مستوى له منذ عقد على الأقل، وفق بيانات بلومبيرغ.
إلى جانب ذلك، يرى المصرفيون أن الشركات الشرق أوسطية تجمع بين تصنيفات ائتمانية قوية وعوائد جذابة للمقرضين مقارنة بنظيراتها الآسيوية ذات التصنيف المماثل. يقول آرون تشاو، المدير التنفيذي لسوق قروض رأس المال لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك سوميتومو ميتسوي: «الشركات الشرق أوسطية غالبًا ما تتمتع بتصنيفات ائتمانية جيدة، لكنها تقدم هوامش فائدة أعلى، ما يجعل قروضها جذابة للبنوك الآسيوية الباحثة عن العوائد».
فمثلًا، القرض الأخير لأجل خمس سنوات من الشركة السعودية للكهرباء، الحاصلة على تصنيف +A من وكالة فيتش، يوفر هامش فائدة يبلغ نحو 85 نقطة أساس فوق سعر التمويل المضمون لليلة واحدة (SOFR). في المقابل، يمنح قرض مشابه لشركة شينهان كارد الكورية الجنوبية، المصنفة A من فيتش، هامشًا أقل عند 80 نقطة أساس فقط فوق SOFR.
ومع ذلك، تحيط بعض التحديات بهذه الطفرة، إذ تظل هناك حدود تنظيمية لدى البنوك الآسيوية بشأن مقدار التمويل الذي يمكن تخصيصه لدول أو قطاعات بعينها، ما قد يقيّد قدرة هذه المؤسسات على المشاركة في صفقات ضخمة مستقبلًا.
ورغم هذه القيود، تظل شهية البنوك الآسيوية مفتوحة على تمويل الشرق الأوسط، في وقت تبحث فيه البنوك الإقليمية عن فرص جديدة لتعويض ضعف نشاط الإقراض في أسواقها المحلية، بينما يواصل المقترضون الخليجيون البحث عن بدائل مالية لدعم مشاريعهم الطموحة في زمن يتسم بتقلبات اقتصادية وجيوسياسية متزايدة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71803