سجّلت السعودية مستوى غير مسبوق في إصدارات السندات منذ بداية العام، بعدما باعت أدوات دين بقيمة تقارب 20 مليار دولار، في مؤشر واضح على استمرار اعتماد المملكة على التمويل بالدين لدعم خططها الاقتصادية بعيدة المدى، رغم ثقلها النفطي.
وبحسب بيانات نقلتها بلومبرغ، جمعت الحكومة السعودية نحو 11.5 مليار دولار من خلال إصدارات دين منذ مطلع العام، في حين رفعت شركات سعودية أخرى ما يقارب 8.8 مليار دولار. وتشمل هذه الشركات المؤسسة السعودية للكهرباء، وشركة الاتصالات السعودية، والبنك الأهلي السعودي، وبنك الرياض، وهي كيانات ما تزال مملوكة في غالبيتها للدولة، لكنها مدرجة في سوق الأسهم المحلية «تداول».
ويمثل هذا التحول توسعًا ملحوظًا في قاعدة الجهات المصدرة للدين داخل المملكة، إذ لم تعد الحكومة وحدها اللاعب الرئيسي في السوق، بل باتت الشركات شبه الحكومية تلجأ بشكل متزايد إلى الاقتراض، في خطوة تعكس تعميق دور أسواق الدين في تمويل الاقتصاد.
وفي عام 2024، تقدمت السعودية على الصين لتصبح أكبر مُصدر للدين الدولي بين الاقتصادات الناشئة، وهو اتجاه يُتوقع استمراره خلال عام 2026، بالتوازي مع مضي المملكة قدمًا في تنفيذ خطط تنويع الاقتصاد في ظل أسعار نفط أقل من مستوياتها القياسية السابقة.
ويعكس النشاط المتزايد للبنوك السعودية في الاقتراض الخارجي الدور المحوري الذي يلعبه القطاع المالي في تمويل برنامج رؤية السعودية 2030، الذي يقوده ولي العهد محمد بن سلمان. فبعيدًا عن المشاريع العملاقة التي تحظى بتغطية إعلامية واسعة، تعتمد الرؤية أيضًا على دعم نمو الشركات المحلية، وتوسيع قاعدة التملك السكني بين الشباب في مجتمع يبلغ متوسط عمره نحو 27 عامًا.
وتُعد زيادة المعروض السكني وتسهيل التملك العقاري جزءًا أساسيًا من استراتيجية التحول، إذ شملت الإصلاحات السماح للأجانب بتملك العقارات، في خطوة تهدف إلى تنشيط السوق العقارية وجذب رؤوس أموال جديدة.
في هذا السياق، كانت البنوك السعودية في طليعة موجة التوسع الائتماني، إلا أن نمو الإقراض فاق نمو الودائع، ما دفعها إلى التوجه بوتيرة غير مسبوقة نحو الاقتراض من الأسواق الخارجية. وذكرت صحيفة فايننشال تايمز أن البنوك السعودية باتت تقترض من الخارج بأسرع معدل في تاريخها.
وتتمتع المملكة بمقومات قوية تجعلها وجهة جذابة للمقرضين الدوليين، إذ تمتلك احتياطيات أجنبية تتجاوز 430 مليار دولار، إلى جانب نسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي تقارب 30 في المئة فقط، وهي أقل بكثير من نظيراتها في الاقتصادات الناشئة.
وفي هذا الإطار، رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي في عام 2026 إلى 4.5 في المئة، مستندًا إلى زيادة إنتاج النفط واستمرار الإصلاحات الداعمة للقطاع غير النفطي.
ورغم تراجع أسعار النفط من مستويات قاربت 100 دولار للبرميل قبل أعوام إلى نحو 60 دولارًا حاليًا، استفادت المملكة من تعديل استراتيجيتها الإنتاجية، إذ انتقلت من سياسة تقييد الإمدادات إلى زيادة الإنتاج، مستفيدة من كونها من أقل الدول تكلفة في إنتاج النفط عالميًا.
وفي الوقت ذاته، بدأت الرياض في إعادة تقييم بعض المشاريع العملاقة التي اعتُبرت عبئًا ماليًا. فقد أفادت تقارير بتقليص كبير في حجم مشروع «ذا لاين»، القلب العمراني لمشروع نيوم، إضافة إلى مناقشات داخلية بشأن البحث عن دولة بديلة لاستضافة دورة الألعاب الآسيوية الشتوية 2029.
وبدلاً من ذلك، تركز المملكة على قطاعات تمتلك فيها ميزة تنافسية واضحة، مثل الذكاء الاصطناعي الذي يستفيد من وفرة الطاقة منخفضة التكلفة، والسياحة التي تستند إلى مكانة المملكة الدينية، بوصفها موطن الحرمين الشريفين.
وفي هذا السياق، تمضي السعودية قدمًا في توسعة كبرى في محيط المسجد الحرام بمكة المكرمة، تشمل إنشاء أبراج ومرافق جديدة للصلاة والإقامة والخدمات، ضمن خطة لاستيعاب أعداد متزايدة من الزوار والمعتمرين.
وأكد وزير المالية السعودي محمد الجدعان أن المملكة لا تتردد في تأجيل أو إلغاء المشاريع التي لا تحقق جدوى اقتصادية، قائلًا إن السعودية “لا تتحرك بدافع الكبرياء”، بل وفق حسابات مالية واقعية توازن بين الطموح والاستدامة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73766