لا تزال المملكة العربية السعودية تكافح لتأمين تدفقات استثمارية أجنبية واسعة النطاق خارج قطاع الطاقة، على الرغم من طموحاتها الطموحة لتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على عائدات النفط.
ووفقًا لبيانات رسمية، تراجع الاستثمار الأجنبي المباشر الداخل إلى السعودية بنسبة 19% على أساس سنوي في عام 2024، ليصل إلى 20.7 مليار دولار، وهو أدنى مستوى منذ عام 2020. هذا التراجع يشير إلى فجوة قائمة بين الخطط الاستراتيجية لرؤية 2030 والواقع الفعلي لجذب المستثمرين، خاصة في القطاعات غير النفطية.
ورغم الجهود الحكومية المكثفة، لا تزال بيئة الاستثمار السعودي تعاني من تحديات تتعلق بالتشريعات، والشفافية، وارتفاع التكاليف، ما يحدّ من شهية المستثمرين الأجانب للدخول في مشاريع طويلة الأجل خارج إطار النفط والغاز.
صفقة “بلاك روك” مع “أرامكو”
في المقابل، وقعت المملكة صفقة ضخمة مع شركة بلاك روك الأميركية – أكبر مدير للأصول في العالم – بقيمة 11 مليار دولار، تتعلق باستئجار وإعادة تأجير منشآت معالجة الغاز الطبيعي في حوض الجافورة، أحد أهم مشاريع الغاز في المملكة.
بموجب الاتفاق، سيقوم كونسورتيوم تقوده “غلوبال إنفراستركشر بارتنرز” (GIP)، التي استحوذت عليها بلاك روك العام الماضي، باستئجار المنشآت ثم إعادة تأجيرها إلى “أرامكو”. كما ستُنشئ “أرامكو” شركة تابعة جديدة باسم “الجافورة لمعالجة الغاز منتصف المسار”، تمتلك فيها 51% من الأصول، فيما يحتفظ الكونسورتيوم بنسبة 49%.
الصفقة تعكس استمرار اعتماد المملكة على صفقات عملاقة مرتبطة بالموارد الطبيعية لجذب رأس المال الأجنبي، في وقت ما زالت فيه الاستثمارات خارج قطاع الطاقة محدودة.
أهمية حوض الجافورة
يُعد حوض الجافورة من أبرز المشاريع الاستراتيجية في قطاع الغاز السعودي، حيث يحتوي على 229 تريليون قدم مكعب قياسي من الغاز الخام – وفق تقديرات “أرامكو”. ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج في وقت لاحق من هذا العام، ما سيمكن السعودية من تلبية احتياجاتها المحلية من الغاز الطبيعي، وبالتالي تحرير المزيد من النفط الخام للتصدير بدلًا من استهلاكه محليًا لتوليد الكهرباء.
أمين الناصر، الرئيس التنفيذي لـ “أرامكو”، علّق قائلًا:
“هذا الاستثمار الأجنبي المباشر في المملكة يسلط الضوء على جاذبية استراتيجية أرامكو طويلة الأمد للمجتمع الاستثماري الدولي.”
الناصر انضم العام الماضي إلى مجلس إدارة “بلاك روك”، في خطوة تعكس تعميق الروابط بين الطرفين بعد سلسلة صفقات كبرى.
تدفقات استثمارية محدودة خارج الطاقة
ورغم نجاح هذه الصفقات، تبقى الاستثمارات الأجنبية في القطاعات الأخرى دون مستوى التوقعات. فبحسب بيانات أولية، سجلت المملكة تدفقات للاستثمار الأجنبي المباشر بقيمة 6.4 مليار دولار في الربع الأول من 2025، أي بزيادة 24% مقارنة بالعام السابق، إلا أن معظمها يظل مرتبطًا بمشاريع الطاقة والبنية التحتية.
هذا يعزز الانتقادات الموجهة لبرنامج رؤية 2030، الذي يهدف إلى بناء اقتصاد متنوع قائم على السياحة والتقنية والخدمات، لكنه لم ينجح بعد في استقطاب رؤوس أموال أجنبية كبيرة في تلك المجالات.
سوابق التعاون مع بلاك روك
هذه ليست الصفقة الأولى بين “أرامكو” و”بلاك روك”. ففي عام 2021، قادت الشركة الأميركية تحالفًا استثمر 15.5 مليار دولار في شبكة خطوط أنابيب الغاز التابعة لأرامكو. وهو ما يشير إلى أن السعودية تميل للاعتماد على صفقات ضخمة مع مستثمرين كبار لإظهار جاذبيتها الاستثمارية، بدلًا من بناء قاعدة متنوعة من الاستثمارات الأجنبية في مختلف القطاعات.
كما أن ارتباط أمين الناصر المباشر بمجموعة بلاك روك يعكس تقاربًا مؤسسيًا يسهّل عقد صفقات من هذا النوع، لكنه قد يثير تساؤلات حول محدودية تنوع الشركاء الاستثماريين في المشاريع الكبرى داخل المملكة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72367