تمضي الحكومة السعودية في خطوة مفصلية لإعادة تشكيل سوقها العقارية، عبر فتح المجال أمام المستثمرين والمشترين الأجانب لتملك العقارات، في إطار مساعي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان لتنويع الاقتصاد وجذب رؤوس الأموال العالمية، ومعالجة أزمة القدرة على تحمّل كلفة السكن التي باتت تؤرق شريحة واسعة من المواطنين.
وعلى بعد نحو ساعة شمال العاصمة الرياض، تتلاشى الكثبان الرملية تدريجيًا لتظهر مدينة جديدة قيد التشكل، تمتد فيها آلاف المنازل العائلية الحديثة حتى الأفق.
وبحسب وكالة بلومبيرغ تمثل هذه المشاهد، التي تشبه ضواحي المدن الأميركية، مشروع «خُزام» السكني، الذي تُقدّر قيمته بأكثر من 100 مليار ريال (27 مليار دولار)، ويُعد أحد أبرز رموز التحول الجاري في سوق الإسكان السعودي.
ويندرج المشروع، الذي تطوره الشركة الوطنية للإسكان المدعومة من الدولة، ضمن خطة أوسع لإعادة هيكلة القطاع العقاري، بالتوازي مع جذب استثمارات أجنبية مباشرة.
وتدير الشركة الوطنية للإسكان مشاريع في أنحاء المملكة بقيمة إجمالية تبلغ نحو 250 مليار ريال، فيما تشارك شركات خاصة محلية في سباق محموم للبناء، مدفوعة بطفرة الطلب والنمو السكاني.
وقد وصل الاهتمام الأجنبي إلى حد دخول «منظمة ترامب»، الذراع العقارية لعائلة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في شراكة مع طرف سعودي لتطوير شقق فاخرة داخل المملكة، في مؤشر على التحول التدريجي في نظرة المستثمرين الدوليين إلى السوق السعودية.
وتستند هذه الطفرة إلى إصلاحات تشريعية جديدة يُتوقع دخولها حيّز التنفيذ في يناير المقبل، تتيح للمشترين من خارج المملكة تملك العقارات ضمن مشاريع ومناطق محددة.
وتأتي هذه الخطوة بالتوازي مع قرار السعودية فتح سوق الأسهم أمام جميع المستثمرين الأجانب، في محاولة لتعزيز تدفقات الاستثمار إلى أكبر اقتصاد في الشرق الأوسط.
ويرى مطورون أن هذه الخطوة طال انتظارها، بعدما ظل السوق العقاري السعودي مغلقًا إلى حد كبير أمام الأجانب لعقود.
وقال ماثيو غرين، رئيس أبحاث الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شركة «سي بي آر إي غروب»، إن القانون الجديد “سيغيّر قواعد اللعبة”، مضيفًا أن “حجم رؤوس الأموال الراغبة في دخول السوق هائل، وستبدأ الفرص بالظهور على صعيدي التطوير والتمويل”.
ويستحضر كثيرون تجربة دبي، حيث أدى فتح السوق أمام الأجانب إلى ازدهار كبير في العرض والطلب، وجذب مشترين من دول عدة. وعلى هذا الأساس، أطلق مطورون سعوديون حملات تسويق خارجية، وبدأوا ببناء شبكات علاقات مع وسطاء عقاريين حول العالم.
غير أن السوق السعودية تواجه تحديات خاصة، أبرزها ارتفاع الأسعار. فقد قفزت أسعار الشقق في الرياض بنسبة 96% منذ أوائل 2019 وحتى الربع الثالث من 2025، فيما ارتفعت أسعار الفلل بنسبة 53%.
كما ارتفعت الإيجارات بمعدل سنوي بلغ 8.5%، مدفوعة بتدفق السكان إلى العاصمة والوافدين الذين قدموا مع إلزام الشركات بنقل مقارها الإقليمية إلى المملكة.
وفي محاولة لاحتواء هذه الضغوط، أمر ولي العهد بتجميد زيادات الإيجارات في الرياض لمدة خمس سنوات، متعهدًا بوضع حد للارتفاع “غير المقبول” في أسعار العقارات.
ويؤكد خبراء أن نجاح فتح السوق أمام الأجانب سيظل مشروطًا بسرعة توفير معروض سكني كافٍ، حتى لا يُقصى المواطنون عن سوق الإسكان.
وتُعوّل الحكومة على بناء أكثر من 600 ألف منزل بحلول عام 2030، بينها أكثر من 110 آلاف وحدة متوقعة في عام 2026 وحده، وفق تقديرات «نايت فرانك». وتقول الشركة الوطنية للإسكان إنها تمتلك حاليًا أكثر من 164 ألف منزل قيد الإنشاء في مختلف مناطق المملكة.
ويؤكد الرئيس التنفيذي للشركة، محمد البطي، أن وتيرة البناء ستتسارع خلال السنوات المقبلة، مشددًا على أن الهدف لا يقتصر على تشييد منازل، بل على بناء مجتمعات سكنية متكاملة توفر جودة حياة أفضل، في تحول يعكس تغيّر أنماط السكن لدى الجيل السعودي الشاب، وتزايد تقبل الشقق والمرافق المشتركة بدل المنازل التقليدية المكلفة.
ومع اقتراب دخول القوانين الجديدة حيز التنفيذ، يترقب المستثمرون المحليون والأجانب على حد سواء ما إذا كانت السعودية ستنجح في تحقيق معادلة صعبة: جذب رؤوس الأموال العالمية، من دون إشعال موجة جديدة من ارتفاع الأسعار في سوق الإسكان.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73619