أكد وزراء سعوديون خلال مشاركتهم في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، يوم الخميس، أن الاستقرار لم يعد مجرد عامل داعم للنمو الاقتصادي، بل أصبح أحد أهم الأصول الاستراتيجية في عالم يتجه بشكل متسارع نحو الانقسام وعدم اليقين.
وقال وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم إن الاستقرار لا يمكن شراؤه أو تحقيقه بقرارات سريعة، بل هو نتاج مسار تراكمي طويل يتطلب الانضباط والصبر. وأضاف أن المملكة تنظر إلى الاستقرار بوصفه ممارسة مؤسسية قائمة على قواعد واضحة والتزام مستمر، وليس مجرد حالة مؤقتة.
وخلال جلسة ناقشت مستقبل الاقتصاد السعودي، أوضح الإبراهيم ووزير المالية محمد الجدعان أن السعودية عملت خلال السنوات الماضية على تحويل الاستقرار إلى ميزة تنافسية حقيقية، من خلال سياسات متوقعة، وانضباط مالي صارم، ورؤية طويلة الأمد يقودها برنامج رؤية السعودية 2030.
وأشار الجدعان إلى أن العالم اليوم يعيش حالة دائمة من التقلب، ما يجعل مسؤولية الحكومات أكبر في تقليص الغموض الذي يواجهه المستثمرون. وقال إن الشركات تستطيع التكيف مع الضرائب أو الرسوم الجمركية، لكن ما يصعب عليها التعامل معه هو غياب الوضوح، مؤكدًا أن تقليل هذا الغموض هو ما يمنح القطاع الخاص القدرة على التخطيط والاستثمار بثقة.
وأوضح أن هذا النهج كان عنصرًا أساسيًا في مسار التحول الاقتصادي للمملكة، حيث سمح للقطاع الخاص بالعمل ضمن بيئة مستقرة، في الوقت الذي واصلت فيه الحكومة تنفيذ إصلاحات هيكلية عميقة.
من جانبه، شدد الإبراهيم على أن الثقة أصبحت عملة نادرة في الاقتصاد العالمي، خصوصًا مع تصاعد التوترات الجيوسياسية. وأضاف أن القدرة على الوفاء بالالتزامات على المدى الطويل هي ما يحافظ على تدفق التجارة والاستثمار، معتبرًا أن الاستقرار في هذا السياق يمثل قيمة استراتيجية لا تقل أهمية عن رأس المال.
كما أكد أن الإصلاحات النظرية لا تكفي وحدها، ما لم تُترجم إلى أطر تنظيمية مرنة وتواصل مستمر مع القطاع الخاص، بما يسمح للشركات بتبني رؤية بعيدة المدى والتعامل مع المخاطر بثقة أكبر.
ووصف الجدعان رؤية السعودية 2030 بأنها مسار متعدد المراحل، بدأ بإصلاحات هيكلية، ثم انتقل إلى مرحلة تنفيذ مكثف، ليصل اليوم إلى مرحلة تركز على تعظيم الأثر الاقتصادي. وأوضح أن المملكة تمر حاليًا بمرحلة إعادة ترتيب الأولويات مع الاستمرار في المسار نفسه، مع استعداد لاتخاذ قرارات جريئة عند الحاجة.
وأشار إلى أن الانضباط المالي يشكل حجر الأساس في هذا التوجه، محذرًا من أن التوسع في الإنفاق دون ضوابط قد يقوض أسس النمو المستدام. وأضاف أن ما وصفه بـ”العجز المصمم” يهدف إلى توجيه الاقتراض نحو استثمارات رأسمالية تعزز النمو طويل الأمد، وليس نحو الإنفاق الاستهلاكي.
وقال: إن الاقتراض لتمويل الاستثمار في المستقبل أمر صحي، أما الاقتراض من أجل الاستهلاك فهو عبء ينتقل إلى الأجيال القادمة.
وأكد الإبراهيم أن المرحلة المقبلة من رؤية 2030 ستركز على الاستخدام الأمثل لرأس المال، مع الحفاظ على زخم النمو وضبط التكاليف، مشددًا على أهمية التخطيط طويل الأجل، خصوصًا في عالم تعيق فيه الدورات الانتخابية القصيرة قدرة بعض الدول على تبني استراتيجيات ممتدة.
واتفق مشاركون دوليون في الجلسة مع هذا الطرح، حيث أشار نوبر أفايان، مؤسس شركة استثمارية عالمية في مجال علوم الحياة، إلى أن السعودية نجحت في تحويل التحديات إلى فرص من خلال الجمع بين التكنولوجيا، بما فيها الذكاء الاصطناعي، ورؤية استراتيجية واضحة.
وأضاف أن حالة عدم اليقين العالمية تفتح المجال أمام دول تمتلك رؤية واضحة لتقديم نفسها كمراكز للابتكار وتصدير المعرفة.
من جهته، قال رئيس البنك الدولي أجاي بانغا إن رؤية 2030 أسهمت في بناء بنية تحتية بشرية ومادية تتيح للمملكة الاستفادة من تركيبتها السكانية الشابة، بينما أشادت جينيفر جونسون، الرئيسة التنفيذية لإحدى أكبر شركات إدارة الأصول، بانفتاح صناع القرار السعوديين واستعدادهم للاستماع والتعلم.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73772