أثار الهجوم الصاروخي الإيراني الذي استهدف قاعدة جوية أمريكية في قطر هذا الأسبوع مخاوف جديدة في الخليج من أن تؤدي المواجهة المتصاعدة بين إسرائيل وإيران إلى تقويض جهود دول الخليج التي سعت طويلاً إلى تخفيف عزلة طهران والانفتاح عليها، في محاولة لجعل المنطقة أكثر أماناً واستقراراً.
ورغم أن الضربة الإيرانية – التي جاءت رداً على الغارات الأمريكية على منشآت نووية إيرانية – لم تسفر عن أضرار تُذكر بقطر أو القاعدة الأمريكية المستهدفة، فإنها سلطت الضوء على توازن دقيق تحاول دول الخليج المحافظة عليه: إدانة علنية للهجمات الإيرانية من دون قطع خيوط التواصل مع طهران، التي باتت العلاقات معها أقل توتراً مما كانت عليه قبل أعوام.
وقال رئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، للصحفيين يوم الثلاثاء، رغم إدانته للهجوم: «آمل أن تعود العلاقة الجيدة مع إيران إلى طبيعتها في أقرب وقت ممكن. الشعب الإيراني جيراننا، ونتمنى لهم السلام والنمو والتطور».
ويعكس هذا الموقف كيف تغيرت نظرة الخليج إلى التهديدات الإقليمية منذ ولاية الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الأولى. حينها، كانت المخاوف من إيران هي الدافع الرئيس الذي دفع دولاً عربية، مثل الإمارات والبحرين، إلى توقيع اتفاقيات تطبيع مع إسرائيل، فيما فكرت دول أخرى – بينها السعودية – في السير على النهج ذاته.
لكن اليوم، تبدو الصورة أكثر تعقيداً. إذ يقول مراقبون إن التهديد الذي كانت تمثله إيران لدول الخليج تراجع بعض الشيء بفعل محاولات الانفتاح عليها، فيما تزايدت في المقابل المخاوف من إسرائيل التي باتت تُنظر إليها من بعض العواصم الخليجية كطرف عدواني وغير متوقع في المنطقة بسبب عملياتها العسكرية المستمرة في غزة ولبنان وسوريا واليمن، وصولاً إلى الهجوم الأخير على منشآت إيرانية.
وقال ه. أ. هيلير، زميل الأبحاث الأول في معهد الخدمات الملكية المتحدة للدراسات الدفاعية والأمنية في لندن، لصحيفة واشنطن بوست: «لطالما رأت دول الخليج أن إيران هي القوة الأكثر زعزعة للاستقرار في المنطقة، وأنها تهديد يجب التصدي له. لكن هذا الحساب قد تغير. الفاعل الأكثر زعزعة اليوم هو إسرائيل، بسبب عملياتها العسكرية في أنحاء المنطقة».
وأضاف هيلير أن المخاوف الخليجية تعززت بسبب «قلة المقاومة والدعم الكبير» الذي تحظى به التصرفات الإسرائيلية من الولايات المتحدة وأوروبا، وهو ما «أثار قلق الخليج بشدة».
من جانبه، قال محمد بحرون، المدير العام لمركز «بحوث» في دبي، إنه كان يرى أن اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل كانت إيجابية، لا سيما من منطلق احتمال أن تساعد في تحقيق دولة فلسطينية. لكنه أضاف أن ما حدث خلال العامين الماضيين، وصولاً إلى الهجوم على إيران في 13 يونيو الجاري، «أشار لي على الأقل إلى أن إسرائيل لا تنظر إلى السلام، بل إلى الأمن – بل إلى تصورها هي للأمن».
وأوضح بحرون أن الحملة العسكرية الإسرائيلية في المنطقة، التي تشمل غزة ولبنان وسوريا واليمن، وصولاً إلى إيران، غير مسبوقة، وتثير قلقاً عميقاً لدى دول الخليج بشأن استقرار المنطقة.
وقد أعاقت الحرب الإسرائيلية على غزة، ومعارضة الحكومة الإسرائيلية لفكرة الدولة الفلسطينية، جهود واشنطن لدفع التطبيع بين السعودية وإسرائيل. إذ أكدت المملكة مراراً أنها لن تطبع علاقاتها مع إسرائيل ما لم يتحقق تقدم ملموس في اتجاه إقامة دولة فلسطينية.
ومع أن وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه قطر بين إيران وإسرائيل أعاد بعض الهدوء إلى المشهد، إلا أن المسؤولين الأمريكيين والإسرائيليين ما زالوا يتحدثون عن إمكانية تحقيق مزيد من اتفاقيات التطبيع في المنطقة. فقد قال ستيف ويتكوف، مبعوث ترامب للشرق الأوسط، إن هناك «اتفاقيات تطبيع قد تُعلن قريباً»، بينما كتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على منصة «إكس» أنه يعمل مع ترامب «لتوسيع دائرة السلام».
لكن وفق محللين تحدثوا للصحيفة، فإن الهجمات الأخيرة على إيران أضافت بدلاً من ذلك شعوراً بالقلق في الخليج، إذ يرى كثيرون أنها عطّلت المحادثات النووية التي كان من المقرر استئنافها في عُمان بين طهران وواشنطن. ووصف بحرون هذا الاجتماع الذي تأجل بأنه «كان مفصلياً للغاية»، مضيفاً أن الهجوم الإسرائيلي على إيران لم يكن يهدف فقط لإفشال تلك المفاوضات، بل كان «محاولة لعرقلة تطور علاقات طهران مع الخليج».
وقال هيلير إن «إسرائيل بدأت القصف في منتصف عملية تفاوض حساسة»، مشيراً إلى أن ذلك «يرسل رسالة معينة إلى الخليج» بأن إسرائيل قد تُعرقل المسارات الدبلوماسية التي تراها ضرورية لأمنها.
ورغم التصعيد، تبدي دول الخليج حرصاً على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع إيران. فقد سعت قطر سريعاً إلى الوساطة بين طهران وواشنطن بعد الهجوم، بينما حرص الرئيس الإيراني مسعود پزشكيان على تهدئة الأجواء، مؤكداً أن الهجوم الصاروخي «لا ينبغي تفسيره على أنه مواجهة مع قطر».
وقالت آنا جاكوبس، الزميلة غير المقيمة في معهد دول الخليج العربية في واشنطن، إن الإدانات الخليجية للهجوم «مهمة للغاية»، لكنها استبعدت أن تؤدي إلى قطيعة مع إيران، مضيفة: «دول الخليج تؤمن حقاً بأن الاستراتيجية الصحيحة هي الحفاظ على العلاقات والحوار، خصوصاً عندما تكون المنطقة في وضع هش كهذا».
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71785