الجيش السوري يضيّق الخناق على «قسد» ويطالبها بإخلاء آخر معاقلها غرب الفرات

بعد أيام قليلة من استعادة مدينة حلب، واصل الجيش السوري تقدّمه الميداني باتجاه مناطق سيطرة قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، موجّهًا إنذارًا مباشرًا لهذه القوات بضرورة الانسحاب الفوري من آخر جيب رئيسي لها غرب نهر الفرات، في خطوة تُنذر بإنهاء وجود الميليشيات التي يقودها الأكراد في تلك المنطقة الاستراتيجية.

وأفاد بيان رسمي للجيش السوري، بأن وحداته فرضت طوقًا كاملًا على منطقة دير حفير–مسكانة، شرق حلب، وأغلقت جميع طرق الإمداد، مطالبًا مقاتلي «قسد» بالانسحاب إلى شرق نهر الفرات «حفاظًا على سلامتهم».

كما دعا البيان المدنيين إلى الابتعاد عن مواقع انتشار قوات سوريا الديمقراطية، في إشارة إلى احتمال تصعيد عسكري وشيك إذا لم يتم الامتثال للأوامر.

ويمثّل هذا التحرك، في حال تنفيذه، نهاية الوجود العسكري لقوات سوريا الديمقراطية غرب الفرات، وهو خط جغرافي فاصل يمر عبر معظم الأراضي السورية.

وعلى الرغم من ذلك، لا تزال «قسد» تسيطر على مساحات واسعة شرق النهر، حيث تتركز غالبية الموارد النفطية والزراعية في البلاد، ما يجعل المعركة ذات أبعاد اقتصادية وسياسية تتجاوز الحسابات العسكرية البحتة.

وكان الجيش السوري قد طرد، خلال الأيام الماضية، آخر المقاتلين الأكراد من مدينة حلب، التي تُعدّ القلب التجاري والصناعي لسوريا، بعد سنوات من الوجود المتداخل لقوات متعددة خلال الحرب الأهلية.

وغادر عناصر «قسد» الأحياء ذات الغالبية الكردية في المدينة على متن حافلات باتجاه مناطق سيطرتهم في الشرق، في مشهد عكس التحول الجذري في موازين القوى.

في المقابل، نفت قوات سوريا الديمقراطية اتهامات الحكومة بإجراء حشود عسكرية في محيط دير حفير–مسكانة، التي تقع على بعد نحو 40 كيلومترًا شرق حلب.

وقالت «قسد» في بيان إن لها «حقًا مشروعًا» في الدفاع عن المناطق التي سيطرت عليها خلال السنوات الماضية، خصوصًا بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر/كانون الأول 2024.

غير أن مصادر أمنية مقرها الأردن أفادت بأن قوات سوريا الديمقراطية تمتلك بالفعل دبابات وعددًا من قادتها الميدانيين البارزين في المنطقة، لكنها أشارت إلى غموض موقف هذه القوات بشأن خوض مواجهة مفتوحة مع الجيش السوري.

وقال أحد هذه المصادر إن «الغطاء الأميركي قد رُفع عن قوات سوريا الديمقراطية، على الأقل في المناطق الواقعة غرب نهر الفرات»، في إشارة إلى تراجع الدعم السياسي والعسكري الذي كانت تحظى به سابقًا.

وتأسست قوات سوريا الديمقراطية عام 2015 بدعم مباشر من الولايات المتحدة، لتكون القوة البرية الأساسية في الحرب ضد تنظيم «داعش».

غير أن موقعها تغيّر جذريًا بعد التحولات السياسية التي شهدتها سوريا، وسقوط نظام الأسد، وصعود حكومة جديدة في دمشق بقيادة الرئيس أحمد الشرع.

وتتكوّن القوات الحكومية الحالية من مزيج من فصائل «الجيش الوطني السوري» المدعومة تركيًا، والتي اندمجت في جيش الدولة الجديدة، إلى جانب عناصر من «هيئة تحرير الشام»، التي شكّلت العمود الفقري للمعارضة المسلحة التي سيطرت على دمشق.

وبحسب مصادر كردية وأخرى مطلعة، أبلغت القيادة المركزية الأميركية قائد «قسد» مظلوم عبدي بضرورة تسليم المناطق التي كانت تسيطر عليها قواته في حلب، وعدم التدخل عسكريًا، وهي رسالة قيل إنها نُقلت قبل اجتماع عقد بين مسؤولين سوريين وإسرائيليين في باريس مطلع يناير/كانون الثاني الجاري، تحت إشراف الولايات المتحدة.

ومنذ اندلاع الحرب الأهلية عام 2011، قدّمت «قسد» نفسها باعتبارها قوة تدافع عن المجتمع الكردي في سوريا، إلا أن هذا المجتمع ليس موحّدًا سياسيًا، ولا يحظى إجماعًا على دعم هذه الميليشيا. ومع تضييق الخناق عليها اليوم، تبدو القوات التي كانت يومًا الحليف المفضل لواشنطن في سوريا، أمام أخطر اختبار وجودي في تاريخها.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.