تتعمّق حالة الارتباك داخل الإدارة الأمريكية مع استمرار التصريحات المتضاربة للرئيس دونالد ترامب بشأن الحرب على إيران، في مشهد يعكس غياب رؤية استراتيجية واضحة، ويثير قلقاً متزايداً لدى مستشاريه وحلفائه على حد سواء.
وتكشف معطيات من داخل البيت الأبيض أن حالة الغموض لم تعد تقتصر على العواصم الأجنبية أو الأسواق المالية، بل امتدت إلى الدائرة الضيقة المحيطة بترامب، حيث يؤكد مستشارون أنهم غير قادرين على تحديد توجهاته الحقيقية أو التنبؤ بخطواته المقبلة.
وتعتمد إدارة ترامب، وفق هذه الشهادات، على نهج يقوم على الارتجال وإبقاء الخيارات مفتوحة، حيث يطرح الرئيس أفكاراً متناقضة أمام جماهير مختلفة، ثم يختار المسار الذي يراه مناسباً في اللحظة المناسبة، دون التزام بخطة مسبقة.
ويتحول هذا الأسلوب، الذي يُسوّق أحياناً باعتباره “غموضاً استراتيجياً”، عملياً إلى مصدر إرباك داخلي، إذ يعتقد بعض المسؤولين أن الإدارة لم تعد تمتلك خطة واضحة منذ الأسابيع الأولى للحرب، وأن القرارات تُتخذ بشكل تفاعلي مع تطورات الميدان.
في المقابل، يحاول بعض حلفاء ترامب الدفاع عن هذا النهج، معتبرين أن عدم الوضوح هو جزء من استراتيجية تهدف إلى إرباك الخصم، ومنع إيران من توقع الخطوات الأمريكية، إلا أن هذا التبرير لا يبدد المخاوف داخل المؤسسة السياسية والعسكرية.
وتُظهر التصريحات المتناقضة للرئيس صورة مزدوجة: ففي بعض الأحيان يلوّح بتصعيد واسع، بما في ذلك احتمال تنفيذ عمليات برية، وفي أحيان أخرى يتحدث عن انسحاب قريب وإعلان النصر خلال أسابيع قليلة.
ويعكس هذا التذبذب، بحسب مراقبين، صراعاً داخلياً بين جناحين داخل الإدارة: تيار يدفع نحو التصعيد الكامل، وآخر يسعى إلى إنهاء الحرب سريعاً لتجنب كلفتها السياسية والاقتصادية.
وفي هذا السياق، يواصل ترامب مناقشة سيناريوهات متناقضة في الوقت نفسه، تشمل الانسحاب دون اتفاق حتى مع بقاء مضيق هرمز مغلقاً، بالتوازي مع تعزيز الوجود العسكري في المنطقة، بما في ذلك حشد قوات إضافية قد تُستخدم في عمليات هجومية.
ويثير هذا التناقض تساؤلات جدية حول الهدف النهائي للحرب، خاصة في ظل غياب تعريف واضح للنصر، واستمرار العمليات العسكرية دون أفق سياسي محدد.
كما يثير قلق حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، الذين يخشون أن يؤدي انسحاب أمريكي سريع إلى ترك إيران في موقع أقوى، رغم الأضرار التي لحقت بها، ما قد يعيد إنتاج التهديد بشكل أكثر تعقيداً.
وتشير تقديرات داخل الإدارة إلى أن أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في تنفيذ ضربات مكثفة ضد البنية التحتية الإيرانية، بما في ذلك المنشآت النووية، ثم إعلان النصر والانسحاب، وهو خيار يحمل مخاطر تصعيدية كبيرة.
في الوقت ذاته، يجري تداول خيار “الضربات المتكررة” أو ما يُعرف عسكرياً بـ“جز العشب”، والذي يقوم على توجيه ضربات دورية لإضعاف القدرات الإيرانية دون الانخراط في حرب شاملة، وهو ما يعني عملياً استمرار الصراع بشكل مفتوح.
ويعكس هذا الطرح اعترافاً ضمنياً بعدم القدرة على حسم الحرب بشكل نهائي، واللجوء إلى إدارة الصراع بدلاً من إنهائه، ما يضع الولايات المتحدة أمام استنزاف طويل الأمد.
داخلياً، يزيد هذا الغموض من الضغوط السياسية على ترامب، في ظل تراجع شعبيته وارتفاع كلفة الحرب، بينما تتأثر الأسواق بشكل مباشر بتصريحاته، التي تؤدي إلى تقلبات حادة في أسعار النفط والطاقة.
كما أن غياب وضوح الرؤية يضعف ثقة المؤسسات الأمريكية نفسها، حيث يجد المسؤولون صعوبة في التخطيط طويل الأمد، في ظل تغيّر التوجهات بشكل مستمر.
وتكشف أزمة الرسائل المتضاربة عن خلل عميق في إدارة الحرب، حيث يتحول “الغموض الاستراتيجي” إلى حالة من التخبط السياسي، ويُظهر أن القرار الأمريكي لا يستند إلى خطة واضحة بقدر ما يعتمد على ردود فعل آنية.
ومع اقتراب موعد خطاب ترامب المرتقب حول إيران، تتجه الأنظار إلى ما إذا كان سيقدم رؤية أكثر وضوحاً، أم سيواصل النهج نفسه، الذي بات يشكل أحد أبرز عوامل تعقيد الصراع وإطالة أمده.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74548