كشف مقال تحليلي لوزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف عن رؤية إيرانية لمرحلة ما بعد الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، تقوم على استثمار “التفوق الميداني” لفرض اتفاق سياسي شامل ينهي الصراع، بدل الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة قد تتحول إلى حرب إقليمية أو دولية أوسع.
وقال ظريف في مقال نشرته مجلة فورين افيرز الأميركية، إن إيران رغم تعرضها لقصف مكثف استمر أسابيع وأسفر عن خسائر بشرية ومادية كبيرة، نجحت في الصمود والحفاظ على استمرارية مؤسساتها، بل والرد على الهجمات، ما وضع الولايات المتحدة وإسرائيل في “مأزق استراتيجي” دون مخرج واضح، بعد فشل رهان إسقاط النظام أو فرض الاستسلام.
وأشار ظريف إلى أن هذا الصمود عزز داخل إيران تيارًا يدعو إلى مواصلة القتال واستثمار الزخم الشعبي، حيث خرجت حشود في عدة مدن رافعة شعارات ترفض التفاوض مع واشنطن، معتبرا أن الولايات المتحدة أثبتت عدم موثوقيتها، وهو ما يعقّد أي مسار دبلوماسي محتمل.
وحذر ظريف في المقابل من أن استمرار الحرب، رغم ما قد يمنحه من شعور بالانتصار، سيؤدي إلى مزيد من الدمار في البنية التحتية وسقوط المدنيين، في ظل تصعيد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية التي باتت تستهدف قطاعات حيوية مثل الطاقة والصناعة، إلى جانب اتساع دائرة الصراع بما يهدد بتحويله إلى مواجهة عالمية.
وطرح خيارًا بديلاً يقوم على إعلان “النصر السياسي” والتوجه نحو اتفاق شامل، يتضمن استعداد إيران لفرض قيود على برنامجها النووي، مقابل رفع كامل للعقوبات وفتح مضيق هرمز أمام التجارة الدولية، في صيغة يرى أنها قد تكون مقبولة حاليًا لدى واشنطن، خلافًا للماضي.
واقترح ظريف أيضًا توقيع ميثاق عدم اعتداء متبادل بين إيران والولايات المتحدة، إلى جانب فتح المجال أمام تعاون اقتصادي، بما يسمح بتحويل الصراع إلى فرصة لإعادة بناء العلاقات وتحسين الأوضاع الداخلية في إيران، بدل استنزاف الموارد في مواجهة طويلة.
وأكد أن جذور انعدام الثقة بين الطرفين تعود إلى تاريخ طويل من التوترات، بدءًا من إدراج إيران ضمن “محور الشر”، مرورًا بالانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي، وصولًا إلى سياسة “الضغط الأقصى”، ما يجعل أي اتفاق مستقبلي بحاجة إلى ضمانات قوية لتجاوز هذا الإرث.
وانتقد ظريف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، معتبرًا أن خطابها المتناقض وسياستها العسكرية زادت من تعقيد الأزمة، مشيرًا إلى أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار الطاقة قد تدفع واشنطن للبحث عن مخرج سياسي يحفظ ماء الوجه.
وشدد على أن أي وقف لإطلاق النار دون معالجة جذور الصراع سيكون هشًا وقابلًا للانهيار، داعيًا إلى اتفاق سلام شامل يعالج القضايا الأساسية، وعلى رأسها الملف النووي والترتيبات الأمنية في المنطقة، بدل الاكتفاء بحلول مؤقتة.
وكشف ظريف أن الحرب أظهرت محدودية الخيار العسكري في تدمير القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، كما أعادت تنشيط النقاش داخل إيران حول مستقبل هذه البرامج، في حين أثبتت أيضًا أن الردع النووي ليس ضمانة مطلقة للأمن، سواء لإيران أو لإسرائيل.
واقترح ظريف إطارًا إقليميًا جديدًا يشمل دول الخليج وإيران، يهدف إلى ضمان عدم الاعتداء وتعزيز التعاون وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، مع إمكانية إشراك قوى دولية في تقديم الضمانات اللازمة لإنجاح هذا المسار.
وعلى المستوى العملي، دعا ظريف إلى خطوات فورية تشمل وقف القتال، وضمان حرية الملاحة، والسماح لإيران بتصدير نفطها دون قيود، تمهيدًا لمفاوضات أوسع تتناول القضايا النووية والعقوبات والتعاون الاقتصادي.
كما اقترح حلولًا تقنية لمعالجة ملف التخصيب النووي، من بينها إنشاء كونسورتيوم دولي تشارك فيه إيران ودول أخرى لإدارة عمليات التخصيب، بما يخفف المخاوف الدولية ويمنح طهران دورًا مشروعًا في هذا المجال.
واختتم ظريف طرحه بالتأكيد على أن الحرب، رغم كلفتها الباهظة، قد تفتح نافذة نادرة لتحقيق تسوية تاريخية تنهي عقودًا من العداء، مشددًا على أن الخيار الحقيقي أمام الأطراف ليس بين النصر والهزيمة، بل بين استمرار الاستنزاف أو الانتقال إلى سلام مستدام يعيد تشكيل توازنات المنطقة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74579