قالت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية إن إدارة دونالد ترامب لا تزال تتمسّك بخيار التفاوض مع إيران، رغم سلسلة خطوات إيرانية وُصفت بأنها «مناورات محسوبة» تهدف إلى كسب الوقت وإرباك المسار الدبلوماسي، في وقت تتصاعد فيه الضغوط العسكرية الأمريكية في المنطقة.
وبحسب الصحيفة، تخلّت طهران في اللحظات الأخيرة عن اجتماع كان مخططًا له في تركيا، يضم مسؤولين أمريكيين وإقليميين، مفضّلة نقل المحادثات إلى سلطنة عُمان وبصيغة مختلفة.
وتُعد هذه الخطوة، وفق محللين، جزءًا من «أساليب اللعب القاسية» التي دأب عليها النظام الإيراني، وتهدف إلى تفكيك الإطار المتعدد الأطراف وتقليص نطاق التفاوض.
ولم تقتصر تحركات طهران على الدبلوماسية. ففي اليوم ذاته، أطلقت إيران طائرة مسيّرة باتجاه حاملة طائرات أمريكية، وأرسلت زوارق مسلّحة للتحرش بناقلة نفط ترفع العلم الأمريكي في الخليج، في رسالة مزدوجة تجمع بين الضغط العسكري والمساومة السياسية.
وترى «وول ستريت جورنال» أن هذه التحركات تعكس تصميم إيران على قلب موازين التفاوض بينما تعزّز واشنطن وجودها العسكري.
ويقول مايكل وحيد حنا، مدير برنامج الولايات المتحدة في مجموعة الأزمات الدولية، إن هذا النهج «لا يوفّر مساحة كبيرة لدبلوماسية حقيقية»، مضيفًا: «يبدو أن المطلب كان الاستسلام عمليًا، وليس التفاوض».
وتشكل التكتيكات الإيرانية تحديًا مباشرًا لأسلوب ترامب التفاوضي، الذي يفضّل الصفقات السريعة عبر دائرة ضيقة من المقرّبين. وبحسب محللين، ومع محدودية الخيارات أمام طهران، فإنها تراهن على كسب الوقت، حتى لو كان ذلك ينطوي على مخاطر سوء التقدير في ظل حالة جمود عسكري متزايدة.
وكانت قوى إقليمية قد دفعت بقوة لعقد محادثات في تركيا، أملاً في فتح مسار يمنع الانزلاق إلى حرب، ويعالج في آن واحد ملف البرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، ودعم طهران للميليشيات في المنطقة. وبحلول مساء الاثنين، بدا أن الاجتماع بات شبه محسوم، بمشاركة المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر.
لكن صباح الثلاثاء حمل مفاجأة، إذ أبلغ مسؤولون إيرانيون رفضهم لمكان وصيغة الاجتماع، مطالبين بنقله إلى عُمان، وحصره في مفاوضات ثنائية مع الولايات المتحدة، مع قصر النقاش على الملف النووي فقط، واستبعاد الصواريخ الباليستية ودعم الحلفاء الإقليميين.
وأعاد ذلك فتح ملفات اعتقد الأمريكيون والإقليميون أنها أُغلقت قبل أيام.
وقال وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو إن تغيّر الموقف الإيراني قد يؤخر الحل الدبلوماسي، مضيفًا: «لسنا متأكدين من أننا نستطيع التوصل إلى اتفاق، لكن لا ضرر من المحاولة». وأكد البيت الأبيض، من جانبه، التزامه بالمسار الدبلوماسي، رغم التحركات الإيرانية.
وأشار مسؤولون إقليميون إلى الاتفاق مبدئيًا على عقد اجتماع في سلطنة عُمان يوم الجمعة، مع استمرار الخلاف حول نطاق المحادثات ومشاركة أطراف أخرى. لكن توقعات الوسطاء تراجعت، إذ يتوقع كثيرون الآن مجرد «تبادل أفكار» بنتائج محدودة، وسط تشاؤم من إمكانية تجنب مواجهة عسكرية.
وتتصادم واشنطن وطهران حول مضمون التفاوض. فبينما تصرّ إيران على حصره في برنامجها النووي، تطالب إدارة ترامب بمحادثات أوسع تشمل الصواريخ الباليستية، ودعم الميليشيات، وسجل حقوق الإنسان. وقال روبيو إن أي مفاوضات ذات معنى يجب أن تتناول «هذه الملفات مجتمعة».
ويرى محللون أن إيران قد حققت مكسبًا تكتيكيًا بنقل المحادثات إلى عُمان، حيث الخصوصية أعلى والضغوط الإقليمية والإعلامية أقل مقارنة بإسطنبول. ويقول الباحث أورال توغا إن «الشكل المتعدد الأطراف في تركيا كان مخاطرة عالية مقابل مكافأة منخفضة لطهران».
ويزيد الغموض حول أهداف إدارة ترامب – بين السعي لاتفاق نووي أو تغيير سلوك النظام أو حتى تغييره – من تعقيد التخطيط الدبلوماسي. ومع إرسال واشنطن حاملة الطائرات USS Abraham Lincoln وقوة بحرية كبيرة إلى المنطقة، يبقى التوازن بين الردع والتفاوض هشًا.
ويحذّر الدبلوماسي التركي السابق سينان أولغن من أن استبعاد أطراف إقليمية يقلل القدرة على «اختبار الحدود القصوى للتنازل الإيراني»، مؤكدًا أن إشراك تركيا كان سيوفّر وضوحًا أكبر لمسار التفاوض.
وبينما يواصل البيت الأبيض الحديث عن الدبلوماسية، تُظهر تحركات طهران أنها ماضية في المناورة، ما يجعل طريق التفاوض أطول وأكثر وعورة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73935