وساطات مصر والسعودية وقطر وعُمان تدفع واشنطن نحو التراجع الدبلوماسي

أعادت تحركات استخباراتية ودبلوماسية قادتها دول عربية وإقليمية رسم مسار الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، بعد أن نجحت قنوات خلفية في دفع واشنطن إلى تعليق خيار التصعيد العسكري، والانتقال نحو مسار تفاوضي هش، في ظل تعقيدات غير مسبوقة داخل طهران.

وكشفت التحركات الأخيرة عن دور محوري لعبته أجهزة الاستخبارات، خصوصًا المصرية، إلى جانب جهود سياسية قادتها السعودية وقطر وسلطنة عُمان، في فتح قنوات اتصال مع مراكز النفوذ داخل إيران، في محاولة لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى حرب شاملة.

وبدأت هذه الجهود باجتماع سري عُقد في الرياض قبل فجر الخميس، جمع وزراء خارجية دول إقليمية بارزة، بهدف البحث عن مخرج دبلوماسي للأزمة، إلا أن العقبة الأساسية التي واجهت المشاركين تمثلت في غياب طرف إيراني واضح يمكن التفاوض معه.

وجاء هذا الفراغ بعد استهداف قيادات بارزة داخل إيران، ما أدى إلى إرباك هيكل القرار، وإضعاف القنوات التقليدية للتواصل، وهو ما دفع الوسطاء إلى البحث عن بدائل غير تقليدية للوصول إلى دوائر التأثير الحقيقية.

في هذا السياق، تمكنت الاستخبارات المصرية من فتح قناة اتصال مباشرة مع الحرس الثوري الإيراني، باعتباره الجهة الأكثر نفوذًا في إدارة الملف الأمني والعسكري، وطرحت عبر هذه القناة مقترحًا لوقف مؤقت للأعمال العدائية لمدة خمسة أيام، كخطوة لبناء الثقة تمهيدًا لوقف إطلاق النار.

وشكلت هذه الخطوة نقطة تحول حاسمة، إذ ساهمت في نقل إشارات إيجابية إلى واشنطن، في وقت كانت فيه الإدارة الأمريكية تستعد لتصعيد عسكري واسع، بما في ذلك استهداف منشآت الطاقة الإيرانية.

وتزامن ذلك مع إنذار نهائي وجّهه الرئيس دونالد ترامب إلى طهران لإعادة فتح مضيق هرمز خلال مهلة قصيرة، ملوّحًا برد عسكري قاسٍ، إلا أن وصول معلومات حول تحركات الوساطة غيّر الحسابات داخل البيت الأبيض.

وأدى هذا التطور إلى تحول مفاجئ في موقف واشنطن، حيث تم تعليق الضربات العسكرية، والانتقال إلى مسار دبلوماسي، في خطوة تعكس تأثير القنوات الخلفية على صناعة القرار الأمريكي.

وانعكس هذا التحول سريعًا على الأسواق العالمية، التي استجابت بإيجابية لتراجع احتمالات التصعيد، حيث سجلت مؤشرات الأسهم مكاسب ملحوظة، فيما تراجعت أسعار النفط بشكل حاد، في إشارة إلى تحسن مؤقت في توقعات الاستقرار.

رغم ذلك، لم تبدُ الطريق نحو اتفاق واضحة، إذ عبّر الوسطاء عن شكوكهم في إمكانية تحقيق اختراق سريع، في ظل اتساع الفجوة بين مطالب الطرفين، وغياب الثقة المتبادلة.

وطرحت إيران شروطًا صعبة لأي اتفاق محتمل، من بينها الحصول على ضمانات بعدم تعرضها لهجمات مستقبلية، إضافة إلى تعويضات عن الأضرار، بينما تتمسك واشنطن بشروط تتعلق بتفكيك البرنامج النووي، ووقف تطوير الصواريخ، وإنهاء دعم الحلفاء الإقليميين.

في موازاة ذلك، استمرت الاتصالات عبر قنوات متعددة، شاركت فيها قطر وعُمان إلى جانب أطراف دولية، في محاولة لتقريب وجهات النظر، وتهيئة الأرضية لعقد لقاء مباشر بين مسؤولين أمريكيين وإيرانيين.

وبرزت مقترحات لعقد هذا اللقاء في باكستان أو تركيا، في إطار جهود لتوفير بيئة محايدة، وسط استعداد أمريكي لإرسال مبعوثين رفيعي المستوى، في حال توفرت مؤشرات جدية على إمكانية التوصل إلى تفاهم.

في المقابل، أظهرت طهران حذرًا واضحًا، حيث نفت وجود مفاوضات مباشرة، واعتبرت الحديث عن تقدم في هذا المسار جزءًا من حرب نفسية تستهدف التأثير على الأسواق والضغوط الدولية.

وقد تركزت النقاشات بشكل خاص على مستقبل مضيق هرمز، باعتباره نقطة الاختناق الأهم في سوق الطاقة العالمي، حيث اقترح الوسطاء وضعه تحت إشراف دولي أو محايد لضمان حرية الملاحة.

وواجه هذا الطرح تحفظات إيرانية، إذ طرحت طهران فكرة فرض رسوم عبور، في محاولة لتعزيز نفوذها، وهو ما قوبل برفض خليجي، خشية تحويل المضيق إلى أداة ضغط دائمة.

وتعكس هذه الخلافات عمق التعقيد في المفاوضات، حيث لا تقتصر الأزمة على وقف العمليات العسكرية، بل تمتد إلى إعادة صياغة قواعد السيطرة على الممرات الحيوية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.