رفض وزير الخارجية اللبناني يوسف راجي دعوة رسمية تلقاها من نظيره الإيراني عباس عراقجي لزيارة طهران، معلناً أن “الظروف غير مواتية” في الوقت الراهن.
وأكد راجي في تصريحات صحفية أنّ رفضه للدعوة لا يعني قطع قنوات التواصل مع طهران أو رفض الحوار، مؤكداً استعداده للقاء الوزير الإيراني في دولة ثالثة تُتيح إجراء نقاشات بنّاءة “بعيداً عن أي حساسيات”.
وقال: “لقد صرحت بأني لا أستطيع قبول دعوته لزيارة طهران في ظل الظروف الحالية، لكنني أكدت انفتاحي على الحوار وحرصي على فتح صفحة جديدة من العلاقات بين لبنان وإيران”.
خلفية التوتر: نزع سلاح حزب الله يغيّر قواعد اللعبة
جاء هذا التطور الدبلوماسي في ظل توتر متصاعد بين بيروت وطهران عقب قرار الحكومة اللبنانية نزع سلاح حزب الله، القرار الذي شكّل تحولاً جذرياً في المنظومة الأمنية والسياسية اللبنانية.
فالحزب، الذي شكّل لعقود الذراع الأقوى لإيران في المشرق العربي وشريكاً أساسياً في شبكة إقليمية واسعة من الفصائل المسلحة، وجد نفسه أمام تراجع نفوذه العسكري والسياسي للمرة الأولى منذ التسعينيات.
وقد شنّت إيران حملة انتقاد علنية ضد الحكومة اللبنانية، معتبرة الخطوة “خروجاً عن الإجماع الوطني”، فيما رأتها بيروت ضرورة لاستعادة سيادة الدولة على قرار الحرب والسلم، ووضع حدّ لوجود سلاح خارج مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، جاء موقف راجي ــ الذي يحظى بدعم واضح من أبرز الأصوات المناهضة لحزب الله داخل البرلمان ــ ليعكس توجهاً جديداً في السياسة الخارجية اللبنانية، يقوم على تثبيت مرجعية الدولة وعدم السماح لأي طرف خارجي بالتأثير في مسار القرارات السيادية.
رسالة واضحة لطهران: لا تدخل في الشؤون اللبنانية
وشدد راجي على أنّ أي علاقة طبيعية ومستقرة بين لبنان وإيران يجب أن تقوم على “الاحترام المتبادل لاستقلال وسيادة كل دولة”، مؤكداً أن لبنان لن يقبل بأي شكل من أشكال التدخل في شؤونه الداخلية.
وقال في تصريحاته: “الدولة القوية لا تُبنى إلا عندما تمتلك الدولة وحدها، من خلال جيشها الوطني، الحق الحصري في حمل السلاح واتخاذ القرارات بشأن الحرب والسلام”.
وأشار إلى أن دعوة الوزير الإيراني لزيارة بيروت “مرحب بها دائماً”، لكن زيارته لطهران في الوقت الراهن قد تُقرأ بشكل خاطئ أو تُستغل سياسياً، في وقت يسعى فيه لبنان لإعادة بناء الثقة الداخلية وتثبيت مشروع الدولة.
ويأتي هذا التوتر الدبلوماسي على وقع استمرار إسرائيل في مهاجمة الأراضي اللبنانية بشكل يومي، وفق ما تؤكده بيروت ووسائل إعلام دولية، إضافة إلى احتلالها خمس نقاط حدودية في الجنوب، في خرق واضح لاتفاق وقف إطلاق النار الذي أُبرم العام الماضي.
وقد تسببت الحرب مع إسرائيل في العام السابق بإضعاف قدرات حزب الله العسكرية بشكل غير مسبوق، ودفعته إلى الانسحاب من العديد من المواقع قرب الحدود.
في ظل هذا الوضع الأمني الهش، تجد الحكومة اللبنانية نفسها أمام مسؤولية مضاعفة: ضبط الساحة الداخلية من خلال نزع السلاح غير الشرعي، وفي الوقت نفسه تجنب الانجرار إلى صراعات إقليمية أوسع قد تُغرق البلاد أكثر في الاستقطاب.
في المقابل، كانت وزارة الخارجية الإيرانية قد أعلنت أن زيارة راجي لطهران كانت تهدف إلى “التشاور حول تطوير العلاقات الثنائية ومراجعة التطورات الإقليمية والدولية”.
لكن اقتراح الوزير اللبناني نقل الاجتماع إلى دولة ثالثة يعكس رغبة بيروت في إعادة تنظيم علاقاتها الخارجية وفقاً لأولوياتها، وليس وفقاً لحسابات المحاور الإقليمية.
ومع احتدام التجاذبات داخلياً وخارجياً، يبدو أن لبنان يحاول السير بخط دقيق بين إدارة خلافاته مع إيران والحفاظ على قنوات التواصل مفتوحة، دون التراجع عن مشروع الدولة أو الانحياز لأي محور.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73276