نشرت صحيفة نيويورك تايمز تقريرًا مطولًا يكشف أدوارًا خفية يلعبها الشيخ منصور بن زايد، نائب رئيس دولة الإمارات وأحد أبرز أقطاب العائلة الحاكمة في أبوظبي، في النزاعات والحروب الأهلية في المنطقة، من السودان إلى ليبيا، في سياق استراتيجية إماراتية أوسع لتعزيز نفوذها الإقليمي والدولي.
ورغم أن اسم الشيخ منصور يُعرف في الغرب أكثر بكونه مالك نادي مانشستر سيتي الإنجليزي، الذي حوّله إلى قوة كروية عالمية، فإن وراء واجهة الرياضة والاستثمارات الفارهة، تشير الصحيفة إلى رجل يوصف بأنه «المنسق» الذي يدير حملات الإمارات السرية لتوسيع نفوذها السياسي والاقتصادي في الشرق الأوسط وأفريقيا، حتى وإن كان الثمن إذكاء حروب مدمرة أو دعم حكام مستبدين.
السودان… الفوضى المغطاة بالمساعدات
بحسب نيويورك تايمز، قبيل أسابيع من اندلاع الحرب الأهلية في السودان عام 2023، استضاف الشيخ منصور في قصره الفخم قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الرجل المتهم بارتكاب فظائع وجرائم حرب. وتقول مصادر أميركية وأممية إن الإمارات، عبر مؤسسات مرتبطة مباشرة بالشيخ منصور، استخدمت أنشطة إنسانية كغطاء لتهريب أسلحة وطائرات مسيّرة إلى قوات حميدتي، التي اتُهمت بارتكاب مذابح وجرائم اغتصاب جماعي.
ورغم نفي الإمارات الرسمي دعم أي طرف في الصراع السوداني، اعترضت واشنطن مكالمات هاتفية بين حميدتي وقادة إماراتيين، بمن فيهم الشيخ منصور، كشفت دورًا إماراتيًا نشطًا في تسليح قوات الدعم السريع، ما فاقم الحرب التي أودت بحياة أكثر من 150 ألف شخص وشرّدت أكثر من 12 مليونًا.
ليبيا… دعم حفتر رغم الحظر الدولي
لم يكن السودان الساحة الوحيدة لتحركات الشيخ منصور. ففي ليبيا، تقول الصحيفة إن الشيخ منصور تولى إدارة العلاقة مع المشير خليفة حفتر، الذي قاد حملة عسكرية ضد حكومة الوفاق الوطني المعترف بها دوليًا. وكشفت تقارير أممية وأميركية أن الإمارات زوّدت حفتر بأسلحة وطائرات مسيّرة، في انتهاك لحظر السلاح المفروض على ليبيا، ما أجج الصراع هناك وأسهم في تقويض أي فرص للتسوية السياسية.
مسؤولون أميركيون أكدوا للصحيفة أن الشيخ منصور كان يتواصل مباشرة مع حفتر، وأدار قنوات الدعم المالي والعسكري له، في إطار سياسة إماراتية ترى في حفتر حائط صد ضد الإسلاميين وضمانة للمصالح الإماراتية في النفط والموانئ الليبية.
القوة الناعمة والصلبة… منصور بين الاستثمار والحروب
يلعب الشيخ منصور دورًا محوريًا في مشروع الإمارات لتعزيز نفوذها العالمي عبر «القوة الناعمة»، مثل الاستثمارات الرياضية والثقافية، وأبرزها استحواذه على مانشستر سيتي عام 2008 وتحويل النادي إلى كيان رياضي ضخم، أنفق عليه مليارات الدولارات، ما جعله يحصد الألقاب ويحقق أرباحًا هائلة.
لكن خلف هذه الصورة، تذكر نيويورك تايمز أن الشيخ منصور استخدم أحيانًا النادي لأغراض سياسية، بينها حملات إعلامية لتشويه خصوم الإمارات مثل قطر. وفي الوقت ذاته، حافظ على دوره في دعم تحركات الإمارات العسكرية والاستخبارية في المنطقة، ما يجعله يجمع بين قيادة استثمارات القوة الناعمة، وإدارة تحركات «القوة الصلبة» خلف الستار.
تقرير الصحيفة أشار كذلك إلى ارتباط الشيخ منصور بأحد أكبر ملفات الفساد المالي في العالم: فضيحة صندوق التنمية الماليزي (1MDB). إذ أظهرت تحقيقات أميركية وماليزية أن شركات مرتبطة بالشيخ منصور تلقّت مئات الملايين من الدولارات من أموال الصندوق المنهوبة، استُخدمت في شراء يخوت فاخرة ومشاريع رياضية واستثمارات عقارية. ورغم أن الشيخ منصور لم يواجه اتهامات مباشرة، أُدرج اسمه كـ«متآمر مشارك» في أوراق قضائية أميركية، لكن الثروة الهائلة والعلاقات السياسية ساعدت على إبقاءه بمنأى عن الملاحقات القضائية حتى الآن.
في السنوات الأخيرة، بدأت صورة الشيخ منصور تتعرض لهزات، سواء بسبب فضائح مالية أو بسبب تصاعد الانتقادات لدور الإمارات في حروب المنطقة، خصوصًا في السودان. وفي بريطانيا، أوقفت الحكومة صفقة استحواذ الشيخ منصور على صحيفة «ديلي تلغراف»، بدعوى مخاوف تتعلق بحرية الصحافة والتأثير الأجنبي.
وفي الولايات المتحدة، أثار دعم الإمارات لقوات حميدتي انتقادات حادة في الكونغرس، وصلت إلى حد المطالبة بحظر مبيعات الأسلحة للإمارات حتى تتوقف عن دعم طرف في الحرب السودانية، وسط مخاوف من ضلوع أبوظبي في تمويل إبادة جماعية.
ورغم ذلك، لا يزال الشيخ منصور يحتفظ بنفوذ واسع داخل الإمارات وخارجها، سواء من خلال إمبراطوريته الرياضية أو أدواره السرية في ساحات الصراع، ما يجعله «الشيخ الذي يفضل البقاء في الظل»، كما وصفه التقرير، لكن ظله بات اليوم أطول وأكثر إثارة للتساؤلات من أي وقت مضى.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71796