السعودية تربط التطبيع مع إسرائيل بإقامة دولة فلسطينية لتحقيق “سلام مستدام”

جددت المملكة العربية السعودية تمسكها بموقفها الرافض لتطبيع العلاقات مع إسرائيل دون إقامة دولة فلسطينية مستقلة، معتبرة أن حلّ القضية الفلسطينية هو المدخل الوحيد لتحقيق سلام دائم وشراكة إقليمية فعلية.

جاء ذلك في تصريحات لوزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان نقلتها وكالة بلومبيرغ، حيث شدد على أن الموقف السعودي “ثابت ولم يتغير”، رغم الحراك الإقليمي والدولي المتزايد باتجاه ضم الرياض إلى موجة اتفاقيات التطبيع.

وقال بن فرحان: “بالنسبة للسعودية، لا يمكن أن يأتي التطبيع مع إسرائيل إلا من خلال إقامة دولة فلسطينية. هذا الموقف لا يزال كما هو، وهو يستند إلى قناعة قوية بأنه فقط من خلال إقامة دولة فلسطينية، وفقط من خلال معالجة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في تقرير المصير، يمكننا تحقيق سلام مستدام وتكامل حقيقي في المنطقة.”

“تكامل حقيقي” مشروط بإنهاء الاحتلال

تأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه الشرق الأوسط تصاعدًا في التوترات الإقليمية، على خلفية استمرار الحرب في غزة منذ أكثر من تسعة أشهر، والجمود السياسي الذي يخيّم على عملية السلام، في ظل رفض الحكومة الإسرائيلية الحالية الانخراط في أي مفاوضات نحو حل الدولتين.

ويعكس حديث وزير الخارجية السعودي موقف المملكة المبدئي الذي أكدت عليه في مناسبات سابقة، والمتمثل في أن أي انخراط سعودي في اتفاق تطبيع شامل مع إسرائيل يجب أن يُبنى على حلّ جذري وعادل للقضية الفلسطينية، وفقًا لمبادرة السلام العربية التي أُطلقت في قمة بيروت عام 2002.

لكن اللافت في التصريحات الجديدة هو الإشارة إلى مفهوم “التكامل الحقيقي”، الذي يرتبط ضمنيًا بمشاريع اقتصادية وتكنولوجية مستقبلية واسعة النطاق، يمكن أن ترى النور فقط في حال التوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

تطبيع مؤجل… ولكن الطموحات الاقتصادية حاضرة

الدوائر السياسية في واشنطن وتل أبيب كانت تأمل أن تقود وساطة أمريكية مستمرة منذ العام الماضي إلى تطبيع سعودي – إسرائيلي تاريخي، يشكّل نقطة تحول في موازين الشرق الأوسط.

وقد طُرحت على الطاولة عدة حوافز في هذا الإطار، من بينها ضمانات أمنية أمريكية، وصفقات تسليح متقدمة، وتعاون اقتصادي ثلاثي الأطراف يشمل السعودية وإسرائيل والولايات المتحدة.

لكن الرياض، كما يظهر من تصريحات وزير خارجيتها، تربط هذا المسار بشروط واضحة، وعلى رأسها إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، وضمان الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، بما في ذلك حق تقرير المصير.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن السعودية تنظر إلى التطبيع مع إسرائيل كجزء من رؤية استراتيجية اقتصادية أكبر، تشمل ربط شبكات النقل والطاقة والذكاء الاصطناعي، لكنّ هذه المشاريع لا يمكن المضي بها دون توفير حدّ أدنى من الاستقرار السياسي والشرعية الإقليمية.

السياق الدولي والضغط الأوروبي

يأتي الموقف السعودي الرافض للتطبيع غير المشروط في وقت تتكثف فيه الضغوط الأوروبية للاعتراف بدولة فلسطينية، حيث أقدمت دول مثل إسبانيا وأيرلندا والنرويج مؤخرًا على اتخاذ هذه الخطوة، ما أعاد الزخم السياسي لمبدأ حل الدولتين.

في المقابل، عبّرت الإدارة الأميركية عن دعمها “المبدئي” لحل الدولتين، لكنها تتبنّى نهجًا تدريجيًا أكثر حذرًا، ولا تمانع في بناء علاقات بين إسرائيل والدول العربية حتى من دون التوصل إلى تسوية نهائية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.

وفي ظل هذا التباين، يبدو أن الموقف السعودي يهدف إلى ضبط إيقاع التحولات الجيوسياسية في المنطقة، ومنع انفصال التطبيع عن الحقوق الفلسطينية، بما يضمن عدم تحوّل الملف الفلسطيني إلى قضية هامشية في الحسابات الدولية.

تطبيع بشروط… ورسالة موجهة

في المحصلة، ترسل الرياض عبر تصريحات وزير خارجيتها رسالة مزدوجة: فهي لا ترفض التطبيع كمبدأ، بل تعتبره ممكنًا ومفيدًا في إطار “تكامل حقيقي”، لكنّها في الوقت ذاته تضع القضية الفلسطينية في مركز هذا المسار، وترفض المساومة عليها لصالح أي تحالفات أو مكاسب اقتصادية.

ويعكس هذا الموقف رغبة سعودية في لعب دور قيادي متوازن، يجمع بين الانفتاح على مشاريع المستقبل الإقليمي، والتمسك بالثوابت التاريخية للقضية الفلسطينية، في وقت تتكاثر فيه المبادرات الشكلية التي تتجاهل جذور الصراع وتكتفي بالمظاهر الدبلوماسية.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.