يكشف مشروع قانون الدفاع الأميركي الجديد عن تحول مهم في المقاربة الأميركية تجاه لبنان، إذ يربط بشكل غير مسبوق بين مواصلة الدعم العسكري للجيش اللبناني وبين إحراز تقدم ملموس في نزع سلاح حزب الله.
وتعكس هذه الخطوة، التي جاءت في لحظة حساسة من تاريخ لبنان الأمني والسياسي، نفاد صبر واشنطن من بطء المسار الحكومي والعسكري في مواجهة نفوذ الحزب وسلاحه، وتؤشر إلى معادلة جديدة قد يكون لها تداعيات كبيرة على مستقبل الدعم الأميركي للجيش.
ووفقاً للنص النهائي لقانون تفويض الدفاع الوطني (NDAA) للسنة المالية المقبلة، يتعين على وزير الدفاع الأميركي “تقديم المساعدة، بما في ذلك التدريب والمعدات والدعم اللوجستي، إلى حكومة لبنان بهدف تعزيز قدرة القوات المسلحة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله”، وهي الصياغة الأكثر مباشرة منذ بدء واشنطن دعم الجيش اللبناني قبل نحو عقدين.
ويُلزم التشريع وزير الدفاع وقائد القيادة المركزية الأميركية بتقديم تقرير مفصل بحلول 30 يونيو 2026، يتضمن معياراً لتقييم تقدم الجيش في نزع السلاح، إضافة إلى خيارات تعليق المساعدة في حال تبيّن أن الجيش “غير راغب” في مواجهة حزب الله.
ويرى مراقبون أن هذا الربط بين المساعدات وبين تقدم ملموس على الأرض يكسر النموذج التقليدي الذي اعتمدته واشنطن لعقود، والذي كان يقوم على دعم الجيش اللبناني دون شروط سياسية مباشرة.
وبذلك، يُدخل التشريع الجيش اللبناني في مسار مساءلة أميركية دائمة، قد تؤثر في مستوى الدعم المستقبلي وطبيعته.
سياق سياسي وأمني مضطرب
تزامن الإعلان مع زيارة قائد الجيش اللبناني إلى الولايات المتحدة، ما أعاد الملف الأمني اللبناني إلى طاولة النقاش الأميركي.
كما يأتي في وقت تواجه فيه القوات المسلحة اللبنانية ضغوطاً غير مسبوقة، سواء بسبب الأزمة الاقتصادية التي أضعفت رواتب العسكريين، أو بسبب تصاعد التوترات الحدودية مع إسرائيل، إضافة إلى نفوذ حزب الله الذي يشكل القوة العسكرية الأكبر خارج الدولة.
وفي أكتوبر الماضي، أرسلت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب نحو 230 مليون دولار كمساعدات إلى بيروت، ما يعكس استمرار الرهان الأميركي على دور الجيش كـ”مؤسسة توازن” في المشهد اللبناني.
لكن في المقابل، تشعر واشنطن أن هذا الرهان لم يؤدِ إلى نتائج ملموسة على صعيد الحد من قوة حزب الله.
موقف واشنطن وإسرائيل والضغوط المتصاعدة
على الرغم من القرارات الرسمية اللبنانية الأخيرة — مثل أمر الحكومة في أغسطس بوضع كل الأسلحة تحت سيطرة الدولة — إلا أن الولايات المتحدة وإسرائيل تريان أن التقدم على الأرض بطيء للغاية.
ورغم إشادة بيروت بالتقدم في مناطق جنوب الليطاني، فإن واشنطن تعتبر أن الحزب ما زال يحتفظ ببنيته العسكرية الأساسية، وأن نزع سلاحه لا يتعدى الإجراءات الرمزية.
وقد عبّر السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام عن هذا الموقف بوضوح في منشور على منصة X، حين انتقد الجيش اللبناني بسبب “تسميته إسرائيل عدواً وتباطئه في نزع السلاح”، معتبراً أن هذا السلوك يجعل الاستثمار الأميركي في الجيش “غير مجدٍ”.
وجاء هذا الانتقاد بعد تصاعد المواجهات بين لبنان وإسرائيل رغم وقف إطلاق النار الموقع العام الماضي. فقد شنت تل أبيب عدة غارات في الأشهر الأخيرة، كان آخرها قبل أيام، رداً على عمليات تبادل ناري واتهامات متبادلة.
الانعكاسات على الداخل اللبناني
داخل لبنان، يضع التشريع الأميركي الجديد الدولة والجيش في موقع حرج. فمن جهة، يشكل الدعم الأميركي ركيزة أساسية لقدرات الجيش، الذي يعاني نقصاً في التمويل والمعدات.
ومن جهة أخرى، فإن أي مواجهة مباشرة مع حزب الله تعني انزلاق البلاد نحو صدام داخلي لا يريد اللبنانيون تكراره.
كما أن اشتراط نزع السلاح قد يعقّد العلاقات بين الجيش والحزب، وهما الطرفان اللذان تجنبا الصدام المباشر منذ نهاية الحرب الأهلية. وقد ينعكس ذلك على التوازنات الداخلية، خصوصاً في ظل التوتر السياسي القائم.
وإذا مضى الكونغرس في التصويت على التشريع خلال هذا الأسبوع كما هو متوقع، فسيكون على الحكومة اللبنانية والجيش تقديم رؤية واضحة لواشنطن حول كيفية التعامل مع ملف السلاح.
لكنّ كثيرين يرون أن القدرة العملية للجيش على “نزع سلاح” حزب الله غير واقعية في الظروف الحالية، ما يجعل التوقعات الأميركية أعلى بكثير من قدرة المؤسسة العسكرية اللبنانية.
وفي الوقت نفسه، يبدو أن واشنطن تستخدم أداة المساعدات العسكرية للضغط سياسياً على بيروت لضبط الحدود، ولإرسال رسالة مفادها أن استمرار الدعم لم يعد أمراً مسلّماً به.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73270