تشهد العلاقات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تصدعًا غير مسبوق، بعد سنوات من تحالف وثيق شكّل أحد أعمدة السياسة الإقليمية في الشرق الأوسط منذ عام 2015.
فالحلف الذي جمع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ورئيس دولة الإمارات محمد بن زايد، واندفع بسياسات هجومية في المنطقة، دخل خلال الأشهر الأخيرة مرحلة توتر وخصومة مفتوحة، تمتد من ساحات الصراع العسكري إلى ميادين المنافسة الاقتصادية والنفوذ الدولي.
وبحسب تحليل مطوّل نشرته مجلة نيويوركر، فإن التحالف الذي وعد بإعادة تشكيل الشرق الأوسط انهار تدريجيًا تحت وطأة تضارب المصالح وتغيّر الأولويات الاستراتيجية.
ففي حين كانت الرياض وأبوظبي تتحركان لسنوات في مسار واحد ضد خصوم مشتركين، وعلى رأسهم إيران، باتتا اليوم تقفان على طرفي نقيض في ملفات حساسة مثل اليمن والسودان، إضافة إلى تنافس متصاعد على دور مركز الأعمال الإقليمي.
وقد بدأت الشراكة بين الطرفين عمليًا مع صعود محمد بن سلمان إلى موقع القرار عام 2015، حين قادت السعودية، بدعم إماراتي، تدخلًا عسكريًا واسعًا في اليمن ضد جماعة الحوثي.
وتلا ذلك حصار قطر عام 2017، والتدخل في الشأن اللبناني، في سياق سياسة إقليمية هجومية هدفت إلى عزل طهران ومواجهة موجات التغيير بعد الربيع العربي. وفي تلك المرحلة، بدا محمد بن زايد الداعم الأبرز لابن سلمان، وقدّم له غطاءً سياسيًا في العواصم الغربية.
غير أن هذا التوافق بدأ يتآكل تدريجيًا. فوفق كريستيان أولريكسن، الباحث في شؤون الخليج بمعهد بيكر للسياسات العامة، فإن نقطة التحول الأبرز جاءت مع اختلاف مقاربة البلدين للحرب في اليمن.
فبينما غرقت السعودية في مواجهة مفتوحة مع الحوثيين، انسحبت الإمارات جزئيًا عام 2019، وركّزت على دعم قوى محلية في الجنوب، خصوصًا المجلس الانتقالي الجنوبي، لضمان نفوذها على الموانئ وخطوط الملاحة.
وتحوّل هذا التباين إلى أزمة حادة في أواخر 2025، عندما تحركت قوات مدعومة من الإمارات في شرق اليمن، ما اعتبرته الرياض تهديدًا مباشرًا لأمنها القومي وإخلالًا بالتوازن الهش القائم منذ الهدنة مع الحوثيين.
وقد رأت السعودية في هذا التحرك استفزازًا من حليف مقرّب، خاصة أنه تزامن مع قمة خليجية، ما عمّق الشعور بانعدام الثقة.
وفي الوقت ذاته، انتقل الخلاف إلى ساحة أخرى أكثر دموية، هي السودان. فبينما تتهم تقارير دولية الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، المتهمة بارتكاب فظائع واسعة، أبدت السعودية انزعاجًا متزايدًا من هذا الدور، معتبرة أنه يهدد الاستقرار الإقليمي ويقوّض أي مسعى سياسي.
وتشير نيويوركر إلى أن استمرار أبوظبي في هذا النهج، رغم الإدانات الدولية، فاجأ حتى مراقبين اعتادوا على سياساتها التدخلية.
وإلى جانب البعد الأمني، يبرز عامل اقتصادي لا يقل أهمية. فالسعودية تسعى، في إطار “رؤية 2030”، إلى تنويع اقتصادها وجذب الاستثمارات الأجنبية، والدخول بقوة في قطاعات مثل السياحة والترفيه والطيران والخدمات المالية.
وهي قطاعات تمتلك فيها الإمارات، ولا سيما دبي وأبوظبي، أفضلية تراكمية تمتد لعقود. هذا الواقع حوّل العلاقة من تكامل نسبي إلى منافسة مباشرة على الشركات العالمية ورؤوس الأموال.
وتفاقم هذا التنافس في ظل عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، إذ تعتمد إدارته نهجًا قائمًا على الصفقات والاستثمارات، مع تجاهل شبه كامل لملفات حقوق الإنسان.
وبحسب أولريكسن، يتسابق الطرفان لكسب رضا واشنطن، كلٌّ على حدة، عبر تعهدات استثمارية وصفقات اقتصادية، ما زاد من حدة التنافس بدل احتوائه.
كما يلقي ملف العلاقات مع إسرائيل بظلاله على الخلاف. فالسعودية باتت تنظر بقلق إلى عمق التحالف الإماراتي–الإسرائيلي، وتستخدمه في خطابها السياسي، رغم أن الرياض نفسها كانت منخرطة في محادثات تطبيع قبل حرب غزة.
إلا أن الكلفة السياسية الداخلية لهذا المسار أصبحت أعلى بكثير بالنسبة للسعودية، مقارنة بالإمارات ذات القاعدة السكانية الأصغر والحساسية الداخلية الأقل.
وترى نيويوركر أن ما يجري اليوم ليس خلافًا عابرًا، بل إعادة رسم للعلاقة بين قوتين خليجيتين صاعدتين، لكل منهما رؤية مختلفة لإدارة المخاطر وبناء النفوذ.
فبينما تتجه السعودية إلى خفض التصعيد والتركيز على الداخل بعد صدمات 2019 وقضية مقتل جمال خاشقجي، تبدو الإمارات أكثر استعدادًا لتحمّل المخاطر، عبر دعم شبكات نفوذ غير حكومية في مناطق هشة.
ويخلص التقرير أن التحالف الذي جمع محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، وأعاد تشكيل سياسات المنطقة لسنوات، يمر اليوم بأعمق اختبار له.
ومع تصاعد التنافس الأمني والاقتصادي والدبلوماسي، يبدو أن الشرق الأوسط مقبل على مرحلة جديدة، لا تقوم على محور خليجي موحّد، بل على صراع نفوذ مفتوح بين حليفين سابقين، لكل منهما طموحه وحساباته الخاصة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74083