كشفت دراسة تحليلية رقمية شاملة صدرت حديثا تحت عنوان «الدور الوظيفي للإمارات في ليبيا: من دعم الانقلاب العسكري إلى هندسة التفكك الجيوسياسي» عن نمط تدخل ممنهج وطويل الأمد تقوده أبوظبي داخل ليبيا كجزء من مشروع إقليمي أوسع يقوم على إعادة تشكيل توازنات السلطة عبر تفكيك الدول المركزية وإنتاج أنماط حكم قائمة على الانقسام والمليشياوية.
وتستند الدراسة الصادرة عن المركز الإقليمي لرصد الفضاء الرقمي، إلى تحليل موسّع للوقائع الميدانية، وتقارير أممية، وتحقيقات صحفية دولية، إضافة إلى تحليل رقمي ضخم لمحتوى منصات التواصل الاجتماعي والفضاء الإعلامي، ما يمنحها بعداً توثيقياً يتجاوز القراءة السياسية التقليدية إلى قراءة بياناتية رقمية واسعة النطاق.
وتؤكد الدراسة أن التدخل الإماراتي في ليبيا لا يمكن قراءته كدعم لطرف محلي في صراع داخلي، بل يجب فهمه ضمن مفهوم “التدخل الوظيفي”، أي التدخل الذي يخدم أهدافاً جيوسياسية بعيدة المدى حتى لو جاء ذلك على حساب وحدة الدولة أو استقرارها الداخلي.
وبحسب الدراسة، تعاملت الإمارات مع ليبيا كساحة نفوذ جيوسياسي واقتصادي وأمني، يتم إدارتها عبر وكلاء محليين، مع التركيز على التحكم بالموانئ وموارد الطاقة ومسارات التصدير، إضافة إلى التأثير في المسار السياسي الداخلي.
وتشير الدراسة إلى أن هذا النموذج يتكرر في أكثر من ساحة إقليمية، خصوصاً في اليمن والسودان، حيث يقوم على دعم تشكيلات عسكرية خارج إطار الدولة، وبناء مراكز قوة موازية للمؤسسات الرسمية، وإدامة حالة الانقسام السياسي بما يضمن استمرار النفوذ الخارجي.
المسار الزمني: من إعادة تشكيل المشهد إلى عسكرة التدخل
ترصد الدراسة ثلاث مراحل رئيسية للتدخل الإماراتي في ليبيا. ففي مرحلة ما بعد سقوط نظام معمر القذافي بين 2011 و2013، ركزت أبوظبي – وفق الدراسة – على بناء علاقات مع شخصيات من النظام السابق، ودعم قوى مناهضة للتيارات الثورية، مع الاستثمار المكثف في الإعلام والتأثير السياسي.
أما المرحلة الثانية بين 2014 و2019 فشهدت – وفق الدراسة – التحول إلى التدخل العسكري المباشر، عبر دعم اللواء المتقاعد خليفة حفتر، وتنفيذ عمليات جوية، وتهريب أسلحة في خرق لحظر السلاح الدولي، إضافة إلى إنشاء غرف عمليات استخباراتية مشتركة.
وفي المرحلة الثالثة بعد 2020، وبعد فشل قوات حفتر في السيطرة على طرابلس، تشير الدراسة إلى أن الإمارات أعادت تموضعها عبر أدوات أكثر هدوءاً، مثل النفوذ الاقتصادي والاستثماري، وتعزيز الحضور السياسي والدبلوماسي، مع الحفاظ على شبكة نفوذ داخل الشرق الليبي.
أدوات نفوذ متعددة المستويات
تحدد الدراسة خمس أدوات رئيسية اعتمدت عليها الإمارات في ليبيا. ففي الجانب العسكري، تشير إلى تنفيذ ضربات جوية مباشرة وتزويد قوات محلية بطائرات مسيّرة ومنظومات دفاع جوي. وفي الجانب الاستخباراتي، تتحدث عن تشغيل شبكات رصد وتأثير نفسي وإعلامي.
أما سياسياً، فتشير الدراسة إلى دعم كيانات سياسية محددة والتأثير في مسارات التفاوض. واقتصادياً، ركزت على الاستثمار في النفط والغاز والتحكم بمسارات التصدير والموانئ. وفي المجال الإعلامي، تتحدث الدراسة عن تشغيل شبكات إعلامية وحملات رقمية منظمة لترويج سرديات محددة، أبرزها خطاب “مكافحة الإرهاب”.
وتؤكد الدراسة أن تقارير أممية متعددة وثقت ما وصفته بانتهاكات إماراتية متكررة لقرارات مجلس الأمن الخاصة بحظر السلاح على ليبيا، بما في ذلك إدخال أسلحة ثقيلة، وتزويد قوات محلية بطائرات مسيّرة، وتشغيل قواعد عسكرية خارج الأطر القانونية.
وترى الدراسة أن هذه الممارسات قد تندرج – وفق القانون الدولي – ضمن انتهاك سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وخرق قرارات دولية ملزمة، وقد تصل – وفق توصيفها – إلى مستوى المسؤولية الدولية.
قراءة رقمية للرأي العام العالمي
تكشف البيانات الرقمية التي أوردتها الدراسة عن هيمنة واضحة للمحتوى المعارض للتدخل الإماراتي في ليبيا على منصات التواصل الاجتماعي. فقد أظهرت البيانات أن نحو 89% من التغريدات على منصة X كانت معارضة للتدخل، مقابل 10% فقط مؤيدة له.
كما أظهرت بيانات منصات الفيديو أن المحتوى المعارض حصد نحو 1.8 مليار مشاهدة، أي أكثر من ثلاثة أضعاف المحتوى المؤيد. وتشير الدراسة إلى أن الخطاب المعارض ركز على قضايا الضحايا المدنيين وتدمير البنية التحتية وانتهاك السيادة، بينما ركز الخطاب المؤيد على خطاب مكافحة الإرهاب.
وتقارن الدراسة بين السلوك الإماراتي في ليبيا ونماذج التدخل في اليمن والسودان، لتخلص إلى أن هناك بنية استراتيجية موحدة تقوم على دعم فاعلين عسكريين محليين، والسيطرة على الموانئ، وتعطيل مؤسسات الدولة، وإدارة الصراعات بدلاً من حلها.
وترى الدراسة أن ليبيا تمثل للإمارات بوابة استراتيجية على البحر المتوسط، ونقطة ارتكاز لمشاريع السيطرة على الموانئ والطاقة، إضافة إلى موقع مهم ضمن مشاريع التجارة العالمية المرتبطة بمبادرة الحزام والطريق.
تداعيات إقليمية متصاعدة
تحذر الدراسة من أن استمرار هذا النمط من التدخل قد يؤدي إلى إطالة أمد الصراع الليبي، وتعميق الانقسام الداخلي، وزعزعة استقرار شمال أفريقيا، وتصعيد التوتر في شرق المتوسط.
كما تشير إلى أن هذا الدور قد ينعكس على صورة الإمارات الدولية، عبر تصاعد الانتقادات الحقوقية، وزيادة مخاطر العقوبات، وتراجع المصداقية السياسية.
وتخلص الدراسة إلى أن التدخل الإماراتي في ليبيا يمثل – وفق توصيفها – نموذجاً لما تسميه “إدارة الفوضى الإقليمية”، حيث يتم الاستثمار في الصراعات الداخلية لبناء نفوذ طويل الأمد.
وترى أن استمرار هذا النهج لا يهدد ليبيا وحدها، بل قد يحولها إلى نموذج دائم لصراعات النفوذ الإقليمي، ما يستدعي مراجعة دولية أوسع لمسار التدخلات الخارجية في المنطقة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=73994