قطر تُعيد رسم فضاءاتها العامة لمواجهة لهيب الصيف

تُعيد دولة قطر رسم فضاءاتها العامة لمواجهة لهيب الصيف عبر استراتيجية تكييف الهواء الطلق الذي ينعش الحياة لكنه يطرح تساؤلات عن الاستدامة.

وفي قلب العاصمة الدوحة، ومع حلول شهور الصيف الحارقة، تتوارى الحركة البشرية عن شوارع المدينة مع اشتداد قيظ الشمس الذي يتجاوز غالباً 40 درجة مئوية، مصحوباً برطوبة خانقة تجعل مجرد التنقل تحدياً يومياً للسكان.

في تلك الأجواء التي تحبس الأنفاس، بدت شوارع العاصمة القطرية شبه خالية ظهرًا، بينما بدت السيارات وحدها قادرة على الصمود أمام موجات الحر اللافحة.

لكن وسط هذا المناخ القاسي، تظهر قطر كحقل تجارب حضري يتحدى الطبيعة ويحاول إعادة تعريف معنى الحياة العامة في بيئة صحراوية لا ترحم. فقد شرعت الدوحة في السنوات الأخيرة في تنفيذ سلسلة مشاريع غير مسبوقة، تهدف إلى تكييف الفضاءات المفتوحة، وتحويلها إلى مناطق يمكن للناس استخدامها حتى في عز الصيف.

بنية تحتية تُحاكي الطبيعة… أو تتحداها؟

“صحيح أننا نعيش في منطقة حارة، لكن هذا لا يعني أن نبقى أسرى لجدران البيوت والمراكز التجارية طوال أشهر الصيف”، يقول ناصر الكعبي، مهندس معماري مشارك في تصميم مشاريع التبريد الجديدة.

ويضيف: “هدفنا خلق بيئة حضرية تسمح للناس بالحركة بحرية، حتى في أصعب الظروف المناخية.”

من بين أبرز الأمثلة على هذا التوجه، يبرز مشروع حديقة أم السنيم التي دشّنتها قطر مؤخراً، وتضم مساراً مكيّفاً للمشي والجري يبلغ طوله أكثر من كيلومتر، ويعتمد على تقنيات تبريد متقدمة. عند التجول في الحديقة، يبدو المشهد متناقضاً: درجات حرارة تتخطى الأربعين خارج الأسوار، بينما يتحرك مرتادو المسار في أجواء لطيفة أشبه بنسمات الربيع.

وتتوسع التجربة في أماكن أخرى، مثل مجمّع “ويست ووك”، ومول “بلاس فاندوم”، وشوارع مثل 21 هاي ستريت في قرية كتارا الثقافية، حيث جرى دمج أنظمة التبريد والتظليل لتوفير “ممرات تنفس” تتيح للناس الخروج دون التعرض لضربات الشمس.

رفاهية أم ضرورة؟

ورغم بريق هذه المشاريع، يظل نطاقها محدوداً حتى الآن. فلا تزال الغالبية العظمى من المساحات العامة في الدوحة أسيرة لهيب الصيف، ما يدفع الناس للاعتماد شبه الكامل على السيارات المكيفة والأنشطة الداخلية.

تقول كريشنا، وهي مقيمة في قطر، إنها لا تستطيع اصطحاب أطفالها إلى الخارج إلا في الأماكن المكيّفة. “كل حياتنا في الصيف تدور حول المراكز التجارية أو الفعاليات الداخلية. حتى الحدائق أصبحت بلا فائدة ما لم تكن مكيّفة”، تضيف مبتسمة.

وتُظهر هذه التجربة أن التكيف مع الحرارة لم يعد مجرد ترف، بل ضرورة لحياة حضرية طبيعية. لكن، وفق خبراء بيئة، تثير هذه الحلول تساؤلات جوهرية حول مدى استدامتها في مواجهة تحديات التغير المناخي.

تحدي الاستدامة يلوح في الأفق

تعتمد هذه المشاريع على استهلاك هائل للطاقة، وهو ما يُعد إشكالية كبيرة في سياق عالمي يدعو لتقليل البصمة الكربونية وخفض الانبعاثات. “نعم، يمكننا تكييف الهواء الطلق، لكن السؤال: بأي تكلفة بيئية؟” يتساءل الدكتور سامي الخلف، باحث في مجال الاستدامة. “إذا أصبحت هذه المشاريع نموذجاً عالمياً، فقد ندخل في حلقة مفرغة من استهلاك الطاقة تفوق قدرة كوكبنا على التحمل.”

ورغم كون قطر من أغنى دول العالم من حيث دخل الفرد، ما يتيح لها تمويل مثل هذه الحلول المكلفة، إلا أن تجاربها تطرح نموذجاً يصعب تطبيقه في بلدان أقل ثراء. كما يُثير نهجها تساؤلات أوسع عن أخلاقيات الحلول التقنية المكلفة لمشكلات مناخية يُفترض معالجتها عبر سياسات خفض الانبعاثات والتكيف المستدام.

بين الإلهام والتساؤل

في نهاية المطاف، تُظهر تجربة قطر وجهاً مزدوجاً: من جهة، تقدم نموذجاً ملهماً لكيفية استخدام التكنولوجيا لخلق بيئة حضرية صديقة للبشر حتى في أقسى الظروف.

ومن جهة أخرى، تكشف عن التحدي العميق الذي يواجه المدن حول العالم: كيف نحافظ على رفاهية الإنسان في عالم يزداد سخونة، دون الإضرار بالكوكب أكثر؟

وسط حرارة يوليو، قد تبدو المسارات المكيّفة في الدوحة بمثابة واحة حضرية عصرية، لكنها تظل أيضاً تذكيراً حياً بأن الحرب ضد تغير المناخ لا تُحسم بأنابيب تبريد وحدها، بل بخيارات مستدامة أوسع قد تكون أصعب، لكنها حتمية.

قطر تُعيد رسم فضاءاتها العامة لمواجهة لهيب الصيف

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.