السعودية تؤكد دورها في لبنان وسط جهود دولية لنزع سلاح حزب الله

تواصل المملكة العربية السعودية إعادة تأكيد حضورها السياسي في لبنان بهدوء، في وقت يتصاعد فيه الحراك الإقليمي والدولي لإعادة الاستقرار إلى مؤسسات الدولة اللبنانية الهشّة، وسط مساعٍ حثيثة لنزع سلاح حزب الله، الجماعة المسلحة المدعومة من إيران والتي يراها كثيرون عقبة أمام استعادة الدولة اللبنانية سيادتها الكاملة.

في الأسبوع الماضي، أرسلت الرياض مبعوثها الأمير يزيد بن فرحان إلى بيروت، حيث عقد سلسلة اجتماعات رفيعة المستوى مع كبار المسؤولين اللبنانيين، بينهم الرئيس جوزيف عون، ورئيس الوزراء نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري. جميع اللقاءات جرت بعيداً عن الإعلام، في مؤشر على حساسية الملفات التي تم تناولها.

وبحسب مصادر لبنانية، جاءت زيارة الأمير يزيد تمهيداً لوصول المبعوث الأميركي الخاص توماس باراك إلى العاصمة اللبنانية يوم الاثنين، حاملاً مقترحاً أميركياً حول نزع سلاح حزب الله كجزء من اتفاق أوسع لإنقاذ لبنان من أزمته الاقتصادية والسياسية المتفاقمة.

وخلال مؤتمر صحفي في القصر الرئاسي شرق بيروت، وصف باراك الرد اللبناني على الاقتراح الأميركي بأنه «مذهل» بالنظر إلى سرعة إعداده وتعقيده، مشيراً إلى أنه تسلم وثيقة من سبع صفحات من الحكومة اللبنانية تتناول الموقف الرسمي من المقترح الأميركي.

وقال باراك: «ما قدمته لنا الحكومة كان شيئاً مذهلاً في فترة قصيرة للغاية وبطريقة معقدة للغاية»، ما يشير إلى جدية النقاشات رغم التحديات السياسية والأمنية التي يواجهها لبنان.

مخاوف من تجدد الحرب

تأتي زيارة باراك إلى بيروت وسط مخاوف إقليمية ودولية من أن رفض حزب الله تسليم سلاحه قد يعيد إشعال الحرب مع إسرائيل، رغم دخول اتفاق هش لوقف إطلاق النار حيز التنفيذ في نوفمبر الماضي.

وكان باراك قد قدم للمسؤولين اللبنانيين الشهر الماضي مقترحاً يربط نزع سلاح حزب الله بتنفيذ إصلاحات اقتصادية عاجلة لانتشال البلاد من أزمتها الاقتصادية المستمرة منذ نحو ست سنوات، والتي تُعد الأسوأ في تاريخ لبنان الحديث.

وقال مصدر دبلوماسي مطلع: «السعوديون والأميركيون متوافقون بشأن مستقبل لبنان، ويعتقدون أن هناك فرصة حقيقية يجب اغتنامها الآن». وأضاف أن الأمير يزيد شدد خلال لقاءاته مع المسؤولين اللبنانيين على ضرورة «الالتزام بالتوقعات الدولية»، محذراً من عواقب التقاعس أو التردد في اتخاذ خطوات إصلاحية جادة.

وأشار المصدر إلى أن رسالة المبعوث السعودي عكست توافقاً واضحاً بين الرياض وواشنطن، خصوصاً بشأن شروط تقديم المساعدات المالية للبنان، وأهمية تقليص قوة حزب الله العسكرية، التي تُعتبر جيشاً موازياً للدولة اللبنانية.

خطة أميركية مشروطة

وتربط الخطة الأميركية المساعدات المالية لإعادة إعمار لبنان، إضافة إلى وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية، بنزع سلاح حزب الله بالكامل في جميع أنحاء البلاد.

ورغم سحب حزب الله لمعظم قواته من الحدود مع إسرائيل منذ بدء سريان وقف إطلاق النار، إلا أن إسرائيل تصرّ على ضرورة نزع سلاح الحزب في كل المناطق اللبنانية، مشيرة إلى أن خطره يتجاوز الجنوب إلى باقي الأراضي اللبنانية.

وبينما يسود هدوء نسبي منذ الهدنة، يواصل الجيش الإسرائيلي شن غارات شبه يومية على جنوب لبنان، إضافة إلى تنفيذ ضربات محدودة على الضاحية الجنوبية لبيروت ووادي البقاع، مستهدفاً مواقع تقول إسرائيل إنها مرتبطة بالبنية العسكرية لحزب الله.

عودة سعودية حذرة

عودة السعودية إلى الساحة اللبنانية تُعد تحوّلاً مهماً بعد سنوات من الفتور في علاقاتها مع بيروت، بسبب تنامي النفوذ الإيراني عبر حزب الله. إلا أن نفوذ الحزب تراجع بشكل ملحوظ إثر الحرب الأخيرة مع إسرائيل، والتي أضعفت قدراته العسكرية وقلّصت من هيبته كـ«دولة داخل دولة».

كانت أولى بوادر الانخراط السعودي الجديد قد ظهرت في وقت سابق من هذا العام، عندما لعبت الرياض دوراً محورياً في إنهاء فراغ رئاسي استمر عامين. وكان الأمير يزيد بن فرحان أحد أبرز مهندسي هذا الانخراط عبر دبلوماسية نشطة مع مختلف الأطراف اللبنانية قبيل انتخاب جوزيف عون رئيساً للجمهورية.

اختار الرئيس عون المملكة العربية السعودية كأول محطة خارجية له، حيث أجرى مباحثات مع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في إشارة إلى أهمية الدعم السعودي للبنان في هذه المرحلة الحرجة.

ورغم ذلك، يظل الموقف السعودي «حذراً ومشروطاً»، وفق المراقبين. فالمملكة تبدو ملتزمة بدعم استقرار لبنان، لكنها تتبنى سياسة انتظار وترقب، مشترطة تقديم أي مساعدات مالية ملموسة بإجراء إصلاحات حقيقية وتقليص نفوذ حزب الله العسكري والسياسي.

في بلد أنهكته الأزمات المتلاحقة، يظل التساؤل الأكبر: هل يتمكن لبنان من الموازنة بين الضغوط الدولية وبين حسابات الداخل، أم أن سلاح حزب الله سيظل العقبة الأكبر أمام استقراره وانطلاقه نحو التعافي؟

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.