في تطور مقلق لانتهاكات حقوق الإنسان، يتّسع نطاق القمع العابر للحدود الذي تمارسه دول مجلس التعاون الخليجي — خصوصًا السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر وسلطنة عمان — ليتجاوز حدودها الجغرافية، ويتمدّد عبر أدوات المنظمات الحكومية الدولية لإسكات المعارضة في المنافي.
فبعد سنوات من التضييق الداخلي، باتت هذه الدول تعتمد على أذرع إقليمية ودولية، مثل مجلس وزراء الداخلية العرب والإنتربول، لتعزيز حملاتها ضد المعارضين والناشطين والصحفيين خارج البلاد، بحسب ما أكدت منظمة أمريكيون من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان في البحرين.
القمع يتجاوز الحدود
منذ انتفاضات 2011، صعّدت حكومات الخليج من استخدام قوانين فضفاضة — خصوصًا في مجالات “مكافحة الإرهاب” و”جرائم الإنترنت” و”تنظيم التجمهر” — لتجريم أصوات المعارضة والنقد السلمي. هذه القوانين، التي غالبًا ما تفتقر لتعريفات دقيقة، أصبحت أدوات فعالة لإدانة كل من يجرؤ على تحدي السلطة أو توجيه انتقاد علني.
لكن المقلق أكثر هو أن القمع لم يعد محصورًا ضمن الحدود، بل تطور إلى شكل منسّق من القمع العابر للحدود، يشمل:
ترحيل وتسليم المعارضين من دول أجنبية.
مراقبة وتهديد المنفيين وأسرهم في الخارج.
استخدام مذكرات اعتقال سياسية الطابع عبر منصات مثل الإنتربول.
ويُمارس هذا القمع غالبًا بالتنسيق مع حكومات أجنبية أو منظمات حكومية دولية، ما يُفقده صفته “المحلية” ويحوّله إلى نمط قمع دولي منظم.
المنظمات الدولية في خدمة القمع
أصبح مجلس وزراء الداخلية العرب — وهو هيئة تابعة لجامعة الدول العربية — والمنظمة الدولية للشرطة الجنائية (الإنتربول)، أدوات مركزية في هذا النمط من القمع.
فبدلاً من أن تكون هذه المؤسسات أدوات لتعزيز الأمن المشترك وحماية حقوق الأفراد، أصبحت منصات تستخدمها الأنظمة السلطوية لتصفية خصومها في الخارج.
الخطورة لا تكمن فقط في استغلال هذه المنظمات، بل في الثغرات القانونية والغموض الإجرائي الذي يسمح بانتهاك مبدأ عدم الإعادة القسرية، وهو مبدأ أساسي في القانون الدولي يحظر تسليم أي شخص إلى بلد قد يتعرض فيه للتعذيب أو المحاكمة الجائرة أو الاختفاء القسري.
أمثلة وانتهاكات
في السنوات الأخيرة، شهدت حالات تسليم معارضين سعوديين وإماراتيين من دول مثل الأردن والمغرب ومصر إلى بلادهم، رغم التحذيرات الحقوقية من تعرّضهم للتعذيب أو الإعدام.
كما استُخدمت نشرات الإنتربول الحمراء لاستهداف نشطاء سياسيين بحرينيين مقيمين في أوروبا، رغم إسقاط العديد منها لاحقًا لافتقارها للأساس القانوني.
كثيرًا ما تصدر هذه الطلبات عبر مجلس وزراء الداخلية العرب، الذي يعمل بمنظومة معزولة عن الرقابة المستقلة أو المعايير الحقوقية الدولية.
دعوات للإصلاح والمحاسبة
لوقف هذه الانتهاكات المتزايدة، يوصي التقرير بمجموعة من الخطوات العاجلة والمترابطة:
- إصلاح قانوني ومراجعة المعايير
يجب على مجلس وزراء الداخلية العرب مراجعة استراتيجياته لمكافحة الإرهاب لتتماشى مع معايير حقوق الإنسان الدولية.
ضرورة الكشف عن النص الكامل لاتفاقيات التعاون الأمني وقواعد الإجراءات المتبعة في إصدار أوامر الاعتقال وتسليم المطلوبين.
على كلٍّ من مجلس وزراء الداخلية العرب والإنتربول دمج ضمانات عدم الإعادة القسرية صراحةً في أنظمتهما، ورفض الطلبات التي تُعرض الأفراد للخطر.
- وقف التعاون المؤسسي المشبوه
يجب على الإنتربول تعليق تعاونه الموسّع مع مجلس وزراء الداخلية العرب حتى يُظهر الأخير التزامًا ملموسًا بحقوق الإنسان.
على الإنتربول الامتناع عن منح الأولوية لطلبات التسليم من دول الخليج ما لم تُظهر تلك الدول مساءلة فعلية وإصلاحات حقوقية جادة.
- تعزيز الشفافية والمساءلة
ينبغي أن يُمنح الأفراد الحق في معرفة ما إذا كانت أسماؤهم على قوائم الاعتقال، مع القدرة على الطعن في قرارات التسليم.
على الإنتربول مواصلة إصلاح آلية مراجعة الإشعارات الحمراء وضمان معالجتها بسرعة وكفاءة، مع توفير معلومات كافية للمستهدفين.
- إشراك المجتمع المدني
يجب أن تُفتح هذه المنظمات — بما في ذلك مجلس وزراء الداخلية العرب — أمام الرقابة المستقلة ومنظمات المجتمع المدني، بما في ذلك حق الوصول إلى الوثائق والاجتماعات والأطر الاستراتيجية.
يجب تمكين المنظمات الحقوقية من رصد وتقييم الاستخدام السياسي لمنصات التعاون الأمني، لضمان منع الانتهاكات وسوء الاستخدام.
وقد تحوّلت أدوات التعاون الأمني بين دول الخليج والمنظمات الدولية من آليات لحماية الأمن إلى وسائل تُستخدم لتقويض الحقوق الأساسية وملاحقة المعارضين السياسيين خارج الحدود. فبدلاً من دعم العدالة، أصبحت بعض المؤسسات الدولية تُستخدم لتبييض القمع وتسهيل عمليات غير قانونية.
ومواجهة هذه الانتهاكات تتطلب إرادة سياسية دولية، وضغطًا مستمرًا من المجتمع المدني، وشفافية حقيقية من المنظمات الأمنية الدولية. فبلا إصلاحات جذرية، سيظل القمع العابر للحدود خطرًا متزايدًا يقوّض منظومة حقوق الإنسان العالمية برمتها.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71750