كيف ساهمت تركيا في هندسة صعود أحمد الشرع إلى السلطة في سوريا؟

تحوّل أحمد الشرع—المعروف سابقًا باسم أبو محمد الجولاني—من قائد جهادي أبرز ضمن تنظيمات مرتبطة بالقاعدة، إلى رئيسٍ مؤقت للجمهورية العربية السورية، بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب وتفكك النظام السابق.

وبينما لا تزال تفاصيل هذا التحول مثار جدل ونقاش، تشير شهادات مسؤولين أتراك وإقليميين، وخبراء، ومصادر سورية مطلعة، إلى أن تركيا لعبت دورًا مركزيًا في هندسة هذا الصعود التدريجي.

وقال موقع “ميدل إيست آي” البريطاني إنه في ربيع 2019، ومع تقدم القوات الحكومية السورية نحو إدلب بدعم جوي روسي، جلس الجولاني مع ضيوف أتراك داخل منزل آمن في إدلب، وتحدث عن حلم طفولي قديم: أن يصبح “أمير دمشق”. كان ذلك اعترافًا نادرًا بطموح شخصي كبير، بدا لاحقًا أنه ظل يرافقه في كل منعطف.

وذكر الموقع أنه بعد 5 سنوات فقط، ظهر الجولاني باسمه الحقيقي، أحمد الشرع، وقد حلق لحيته وارتدى بدلة ورابطة عنق، محاولًا تقديم نفسه كزعيم سياسي جديد يسعى لبناء دولة تتجاوز السرديات الجهادية التي ارتبط بها سابقًا.

إدلب… الدولة الأولية التي أعادت تشكيله

يقول مسؤولون أتراك إن التحول لم يكن وليد اللحظة، بل بدأ تدريجيًا خلال سنوات سيطرته على إدلب، التي شكلت “دولة أولية” سمتها الأساسية البراجماتية والبحث عن الشرعية.

بدأ المسار الجديد عندما سيطرت فصيلته—جبهة فتح الشام آنذاك—على معبر باب الهوى عام 2017. بعد أن أغلقت تركيا المعبر، أنشأ الشرع إدارة مدنية لإدارته، في خطوة هدفت لإبعاده عن شبهة التحكم المباشر بالموارد الإنسانية.

ورغم استمرار أنقرة في دعم فصائل منافسة مثل أحرار الشام ونور الدين زنكي، استطاع الشرع فرض نفسه كقوة مهيمنة في إدلب، ما أجبر تركيا تدريجيًا على تغيير سياستها تجاهه.

يقول مسؤول تركي مطلع: «لقد لعبت تركيا دورًا عمليًا في عملية تحول الشرع».

نشأة هيئة تحرير الشام وحكومة الإنقاذ

مع ضغوط تركيا التي كانت مكلفة في عملية أستانا بتثبيت نقاط مراقبة حول إدلب، اقتنع الشرع بأن المنطقة لا يمكن إدارتها بفصيل واحد. هكذا وُلدت هيئة تحرير الشام عام 2017، بهوية سورية أكثر ودور أكثر انفتاحًا تجاه الحكم المدني.

بعد ذلك، تشكلت حكومة الإنقاذ بدعم تركي غير مباشر، لتكون الواجهة الإدارية المدنية لإدلب.

تقول دارين خليفة من مجموعة الأزمات الدولية: «التغيير لدى الجانبين – تركيا والشرع – حدث بالتوازي، ضمن استراتيجية جديدة أكثر براجماتية».

التقارب التركي – الشرعي… مصالح مشتركة

رغم رفض الجيش التركي والبيروقراطية الرسمية التعاون المباشر مع هيئة تحرير الشام، تعامل جهاز الاستخبارات التركي معها بمرونة أكبر، مدفوعًا بمصالح أمنية وسياسية منع موجة نزوح جديدة قد تهدد الاستقرار التركي واحتواء المقاتلين الأجانب ومنع انهيار إدلب بالكامل أمام قوات النظام.

وفي 2020، ومع هجوم واسع من قوات النظام، تدخلت تركيا مباشرة وضربت مئات الأهداف، ونشرت آلاف الجنود، ما دفعها إلى إقامة قنوات عملية مع هيئة تحرير الشام.

يقول الباحث جيروم دريفون: «كان تأثير تركيا غير مباشر لكنه قوي… فقد أجبرت هيئة تحرير الشام على تقديم تنازلات تدريجية».

وأحد أبرز التغيرات كان مواجهة هيئة تحرير الشام لتنظيم حراس الدين الموالي للقاعدة، وهو ما اعتبر دليلًا على ابتعاد الشرع عن الخط السلفي الجهادي.

يؤكد عمر أوزكيزيلجيك من المجلس الأطلسي أن تركيا تعمدت فصل البراجماتيين عن العقائديين، ما فتح الباب أمام خطاب جديد أكثر قبولًا دوليًا.

في هذه الفترة، سمحت أنقرة—دون تنظيم مباشر—لباحثين وخبراء وصحفيين غربيين بزيارة إدلب، وسُمح بإجراء مقابلة الشرع الشهيرة على PBS عام 2021.

قنوات غربية عبر تركيا

بحلول 2020، بدأت قنوات غير مباشرة بين الشرع ودول غربية عبر تركيا. ناقشت اللقاءات قضايا إنسانية، وركزت على نموذج الحكم المحلي، في مقارنة مباشرة مع الفساد والانهيار في مناطق النظام.

وبحسب الموقع ساعدت هذه المشاركة الدولية في ترسيخ صورة جديدة للشرع كرجل يسعى لبناء دولة محلية مستقرة، لا قائد تنظيم جهادي يهدد الأمن الدولي.

التحول الحاسم: روسيا تضعف وتركيا تعيد الحسابات

مع انشغال روسيا بغزو أوكرانيا عام 2022 وتراجع وجودها العسكري في سوريا، وجد الشرع فرصة سانحة للتقدم. في الوقت نفسه، استثمرت تركيا في الأكاديمية العسكرية التابعة لهيئة تحرير الشام، بينما كانت المعارضة التقليدية تفتقر لهياكل موازية.

وعندما فشلت جهود المصالحة التركية–السورية، رفعت أنقرة الفيتو عن عمليات واسعة لهيئة تحرير الشام. وكانت النتيجة تقدمًا خاطفًا نحو حلب ثم حماة، وتحوّلًا عسكريًا غير مسبوق.

يروي مصدر سوري مشهد الشرع في غرفة العمليات: «رفع يديه وهتف: اشهدوا يا أهل دمشق! هنا يكتب التاريخ!»

وتشير الروايات المتقاطعة إلى أن صعود أحمد الشرع لم يكن نتيجة دعم تركي مباشر لشخصه، بقدر ما كان نتاج مصالح مشتركة، وتغيرات ميدانية، وتحول تدريجي من فكر جهادي إلى مشروع حكم محلي براجماتي.

ومع غياب الأسد وتراجع النفوذ الروسي، أصبحت تركيا اللاعب الأكثر تأثيرًا في مستقبل شمال سوريا، ووجد الشرع نفسه في موقع يسمح له بتحويل حلم “أمير دمشق” إلى واقع سياسي جديد—ولو بشكل مؤقت.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.