ثلاث قواعد لوجستية أمريكية جديدة غرب السعودية: إعادة رسم خريطة التموضع العسكري

في خطوة تعكس تصاعد التوترات في الشرق الأوسط واستعداد واشنطن لاحتمالات مواجهة طويلة مع إيران، كشفت تقارير وصور أقمار صناعية عن توسع ملحوظ للبنية التحتية العسكرية الأمريكية غرب السعودية، حيث يجري تطوير ثلاث قواعد لوجستية جديدة، أبرزها منطقة الدعم اللوجستي جنكنز (L.S.A. Jenkins)، إلى جانب منشآت أصغر في مطاري الطائف وجدة.

بدأت ملامح هذه القواعد تظهر تدريجيًا منذ عام 2022، حين رُصدت لأول مرة منشآت بسيطة قرب ساحل البحر الأحمر. لكن أحداث الأشهر الأخيرة، بما في ذلك الضربات الأمريكية على منشآت نووية إيرانية، والهجوم الصاروخي الإيراني الانتقامي على قاعدة العديد في قطر، أضفت بعدًا جديدًا على هذا التوسع العسكري، مؤكدة أن واشنطن تمضي قدمًا في استراتيجية لإعادة تموضع قواتها وإمداداتها بعيدًا عن مرمى الصواريخ الإيرانية قصيرة المدى.

بحسب تقرير موسع نشرته نيويورك تايمز، فإن القاعدة الرئيسية — L.S.A. Jenkins — شهدت تحولاً لافتًا خلال العام الماضي. فمن مجرد منطقتين صغيرتين مرصوفتين وملاجئ فارغة، توسعت القاعدة لتشمل عشرات المنشآت الجديدة، بينها مخازن ذخيرة، وساحات واسعة مرصوفة، وخيام ومبانٍ جاهزة لاستيعاب قوات الدعم اللوجستي، إلى جانب تعزيز أنظمة الحماية والأمن المحيط بالمنطقة.

وتُظهر صور الأقمار الصناعية صناديق بيضاء اللون مخزنة في صفوف منظمة، يُعتقد أنها حاويات صواريخ بحرية أو ذخائر استراتيجية. فيما كشفت وثائق تعاقد حكومي أمريكي عن زيادات في الإنفاق على البنية التحتية والمعدات تتجاوز ثلاثة ملايين دولار منذ مطلع 2024، خصصت لتوسيع قدرات القاعدة وتطوير مرافقها.

ويؤكد خبراء عسكريون أن أهمية هذه القاعدة الجديدة تكمن في موقعها الاستراتيجي، إذ تقع على بعد نحو عشرين ميلاً من ساحل البحر الأحمر، ما يجعلها خارج مدى معظم الصواريخ الإيرانية قصيرة المدى المتمركزة في الخليج. ويشير ديكر إيفيليث، الباحث في مركز التحليلات البحرية الأمريكي، إلى أن أي هجوم إيراني على هذه القاعدة سيتطلب استخدام صواريخ باليستية متوسطة المدى أقل دقة وأكثر عرضة للاعتراض، كما يمنح الوقت الكافي للدفاعات الجوية الأمريكية للتصدي لها.

وقال إيفيليث: “استهداف موقع على الجانب الغربي من السعودية مهمة أصعب بكثير بالنسبة لإيران مقارنة بضرب قواعد قريبة من الخليج.”

لكن رغم هذه المزايا، لا تزال هناك مخاطر محدقة، إذ تقع القاعدة قرب اليمن، وهو ما يجعلها عرضة لهجمات محتملة من الحوثيين الذين يمتلكون قدرات صاروخية وطائرات مسيرة، ويُعتقد على نطاق واسع أنهم يحصلون على دعم عسكري إيراني. فقد سبق للحوثيين استهداف سفن أمريكية في البحر الأحمر، ما يضع L.S.A. Jenkins في دائرة التهديدات الإقليمية.

في المقابل، تم بناء قاعدتين أمريكيتين إضافيتين في مطاري الطائف وجدة، وفق ما أظهرته صور الأقمار الصناعية ووثائق حكومية. لكن هاتين المنشأتين أقل حجماً ونشاطاً من جنكنز، وتتركز مهامهما على تخزين الذخائر والوقود، إلى جانب مساحات مرصوفة يُعتقد أنها مهيأة لإيواء الجنود أو نشر بطاريات دفاع جوي متحركة عند الضرورة.

ويقول براين كارتر، مدير ملف الشرق الأوسط في معهد أمريكان إنتربرايز، إن الدافع وراء بناء هذه القواعد في غرب السعودية هو نقل جزء من القدرات الأمريكية بعيدًا عن مرمى الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية. وأضاف: “هذه المنشآت قد تلعب أيضاً أدواراً في عمليات أخرى بالمنطقة، مثل التصدي للحوثيين أو تأمين الملاحة في البحر الأحمر.”

ويكشف عرض تقديمي قُدِّم في مؤتمر للهندسة العسكرية في وقت سابق هذا العام عن خطط لتوسعات إضافية في L.S.A. Jenkins تشمل توسعة مطار قريب، ومرافق جديدة لصيانة المركبات وتجهيزها، بالإضافة إلى تحسينات تتعلق برفاهية الجنود ومعنوياتهم.

من جهته، أكد الجنرال المتقاعد فرانك ماكينزي، القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، أهمية هذه القواعد الجديدة قائلاً: “هذا يجعل الأمور أسهل علينا وأصعب عليهم… من جميع النواحي، إنه أمر إيجابي.”

وبينما يظل الغموض يلف الدور الذي لعبته قاعدة جنكنز في الضربات الأمريكية الأخيرة ضد إيران، إلا أن المؤكد أن هذه المنشآت تعكس تحولًا استراتيجيًا عميقًا في الحسابات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، وتعيد رسم خريطة التموضع العسكري تحسبًا لأي مواجهة شاملة قد تندلع مع طهران أو وكلائها في الإقليم.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.