سجّل وزير التعليم الأميركي الأسبق ويليام بينيت نفسه الشهر الماضي كـ”عميل أجنبي” يعمل وفق قانون تسجيل العملاء الأجانب (FARA)، بهدف تقديم دعم للحكومة القطرية في مواجهة اتهامات بأنها موّلت أنشطة معادية للسامية داخل الحرم الجامعي الأميركي. وجاء هذا التطور في وثائق رسمية قدّمتها وزارة العدل الأميركية يوم الإثنين، لتكشف عن تفاصيل تعاقد مباشر بين بينيت والسفارة القطرية.
عقد ثابت ومهام محددة
بحسب الوثائق، تتقاضى شركة بينيت أتعابًا شهرية ثابتة قدرها 30 ألف دولار من السفارة القطرية، مقابل تقديم المشورة والخبرة في التعامل مع اتهامات متزايدة، بعضها يربط بين الدوحة وحملات احتجاجية مناهضة لإسرائيل في الجامعات الأميركية.
وفي رسالة بعث بها مؤخرًا إلى وزيرة التعليم الأميركية ليندا ماكماهون، قال بينيت إنه قبل هذا الدور “لتطبيق خبرتي وحكمي المستقل على مجموعة متزايدة من الاتهامات الموجهة لقطر”، مؤكدًا عزمه على مراجعة تلك المزاعم بصورة موضوعية.
التمويل الأجنبي في مرمى الجمهوريين
تزامنت هذه الخطوة مع تزايد الضغوط السياسية في واشنطن، حيث جعل الجمهوريون في الكونغرس من مسألة التمويل الأجنبي للجامعات الأميركية قضية رئيسية، في ظل تحقيقات جارية بشأن أنشطة واحتجاجات وُصفت بأنها معادية لإسرائيل داخل الحرم الجامعي. وتُعتبر قطر، التي تستضيف فروعًا لعدد من الجامعات الأميركية في المدينة التعليمية بالدوحة، من أكبر مصادر التمويل الأكاديمي الأجنبي لهذه المؤسسات.
وفي أبريل الماضي، وقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب مرسومًا تنفيذيًا لتعزيز الشفافية في الإفصاح عن التمويل الأجنبي، وهو ما فتح الباب أمام مزيد من التدقيق في أموال قطر وغيرها من الدول المانحة.
دفاع بينيت عن النموذج القطري
رفض بينيت المزاعم التي تصف الدور القطري في الجامعات الأميركية بأنه “نفوذ خبيث”، معتبرًا أن الهبات والمنح التي تُنسب إلى قطر ترتبط في كثير من الحالات ببرامج تعليمية أميركية في فروع جامعية بالدوحة. وقال: “ينبغي اعتبار هذا النموذج امتدادًا بنّاءً للريادة التعليمية الأميركية، وليس تهديدًا لها”.
وأشار أيضًا إلى أن مراجعاته الأولية أظهرت أن بعض الاتهامات الأشد ضد قطر جاءت نتيجة “حملة منسقة للتشويه” تقودها جماعات ضغط من طرف ثالث، وعلى رأسها مؤسسة الدراسة العالمية لمعاداة السامية والسياسة (ISGAP)، مطالبًا بمزيد من التدقيق في “دوافع ومصادر تمويل هذه الجهات”.
ردّ ISGAP واتهامات مضادة
من جانبه، نفى المدير التنفيذي لـISGAP تشارلز آشير سمول في رد مكتوب عبر البريد الإلكتروني صحة تصريحات بينيت، مؤكدًا أن منظمته “مركز بحثي مستقل وغير حزبي على مستوى عالٍ”. وأضاف: “على خلاف السيد بينيت، فإن ISGAP لا يعمل مع، ولا لصالح، كيانات أجنبية مثل النظام القطري”.
وأوضح سمول أن المنظمة تلقت منحة وحيدة من الحكومة الإسرائيلية في عام 2019 بقيمة 123 ألف دولار لبرنامج أكاديمي جامعي، مؤكدًا أنها المرة الوحيدة التي حصلت فيها على دعم حكومي.
واتهم سمول بينيت بـ”نقل تقارير زائفة تهدف إلى تهميش أبحاثنا القائمة على الوقائع”، مشيرًا إلى أن هذه الأبحاث “تكشف أخطار التمويل الأجنبي غير المعلن للتعليم العالي الأميركي، خصوصًا من دول غير ديمقراطية مثل قطر، المرتبطة بجماعة الإخوان المسلمين، وحركة حماس، وكيانات مصنفة إرهابية”.
سياق أوسع ومعركة سرديات
تسلط هذه القضية الضوء على معركة سرديات بين أطراف أميركية وقطر بشأن طبيعة التمويل الأجنبي ودوره في تشكيل بيئة الجامعات. بالنسبة لمنتقدي قطر، يمثل دعمها المالي للجامعات بابًا محتملاً للتأثير السياسي والفكري، بما في ذلك تغذية مشاعر معادية للسامية. أما المدافعون عنها، فيرون في هذا الدعم تعزيزًا للتبادل الأكاديمي والبحث العلمي، على غرار شراكات تعليمية أخرى حول العالم.
ومع استمرار الضغوط من جانب الكونغرس، واستعداد مؤسسات بحثية وجماعات ضغط لتصعيد حملاتها، يبدو أن تعاقد قطر مع شخصية سياسية أميركية بارزة مثل ويليام بينيت يهدف إلى تحصين موقفها وتعزيز حضورها في النقاش الأميركي، خصوصًا في ظل حساسية الملف السياسي المرتبط بإسرائيل والفلسطينيين في الأوساط الأكاديمية الأميركية.
في النهاية، يبقى السؤال المطروح في واشنطن: هل سيغيّر هذا التحرك مسار النقاش حول الدور القطري في الجامعات الأميركية، أم سيضيف مزيدًا من الجدل إلى قضية تتشابك فيها السياسة الداخلية الأميركية بالمصالح الإقليمية والخلافات الدولية؟
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72335