قاعدة عسكرية أميركية جديدة في السعودية تتوسع لمواجهة إيران

في قلب الصحراء السعودية، وعلى بعد حوالي 20 ميلاً من ساحل البحر الأحمر، يشهد موقع قادة عسكرية أميركية تحوّلاً استراتيجياً هادئاً قد يغير معادلات القوة في الشرق الأوسط.

فبحسب تحقيق موسع أجرته صحيفة نيويورك تايمز، باتت القاعدة الأميركية المعروفة باسم “منطقة الدعم اللوجستي جنكنز” (L.S.A. Jenkins) تتحوّل من منشأة شبه خاملة إلى مركز لوجستي نشط، يعزز استعدادات الجيش الأميركي لأي مواجهة محتملة مع إيران أو وكلائها في المنطقة.

من قاعدة مهملة إلى محور استراتيجي

ظهرت بوادر هذه القاعدة للمرة الأولى في صور أقمار صناعية التُقطت مطلع عام 2022. وقتها، كانت القاعدة لا تزيد عن منطقتين مرصوفتين وبعض المخازن الفارغة المحاطة بسواتر ترابية، دون أي علامات على تواجد بشري أو نشاط عسكري ملحوظ.

لكن مع تصاعد التوترات في المنطقة، خاصة بعد الضربات الأميركية الأخيرة التي استهدفت منشآت نووية إيرانية وردّ طهران عليها بصواريخ، تسارعت وتيرة العمل في “جنكنز”.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي حلّلتها الصحيفة تحول القاعدة إلى منشأة مكتملة نسبياً تضم عشرات الهياكل والخيام وطرقاً مرصوفة ومنشآت تخزين ذخيرة، وتمتد على مساحة تبلغ ميلاً مربعاً.

استراتيجيات ما بعد مدى الصواريخ الإيرانية

يرى محللون عسكريون أن السبب الرئيسي وراء توسع القاعدة غرب السعودية هو محاولة واشنطن إبعاد أصولها العسكرية الحيوية عن مدى الصواريخ الإيرانية قصيرة المدى، التي تهدد قواعدها التقليدية مثل قاعدة العديد في قطر أو قاعدة الظفرة في الإمارات.

يقول بريان كارتر، مدير ملف الشرق الأوسط في معهد “أميركان إنتربرايز”، إن “الدافع الأولي وراء القاعدة كان محاولة دفع بعض البنية التحتية العسكرية الأميركية إلى خارج نطاق صواريخ وطائرات إيران المسيّرة”. مشيراً إلى أن هذه المواقع البعيدة يمكن أن تدعم أيضاً حملات عسكرية أخرى، مثل القتال ضد الحوثيين في اليمن.

فبينما تقع القواعد الأميركية في الخليج ضمن مدى الصواريخ قصيرة المدى الإيرانية، تحتاج إيران إلى استخدام صواريخ متوسطة المدى لضرب مواقع مثل L.S.A. Jenkins، وهي أقل دقة وموثوقية. كما يمنح وقت الطيران الأطول لهذه الصواريخ الدفاعات الجوية الأميركية فرصة أكبر لاعتراضها، ويمنح القوات على الأرض فرصة للاختباء.

قاعدة جنكنز ليست بمنأى عن التهديد

مع ذلك، فإن موقع القاعدة على البحر الأحمر لا يضمن لها حصانة تامة. إذ تقع بالقرب من اليمن، حيث يشن الحوثيون المدعومون من إيران هجمات بمسيّرات وصواريخ.

يشير ديكر إيفيليث، المحلل في مركز الدراسات البحرية، إلى أن “وجود القاعدة أقرب إلى اليمن يعني أن الحوثيين قادرون على تهديدها باستخدام وسائل أقل تعقيداً من الصواريخ الباليستية”.

ويكشف تحليل نيويورك تايمز صور الأقمار الصناعية تطورات ملحوظة خلال العامين الماضيين. ففي ديسمبر 2023، أظهرت الصور مخازن ذخيرة فارغة وأرصفة مرصوفة دون أي منشآت واضحة. لكن بحلول يناير 2024، ظهرت معسكرات صغيرة تضم حاويات شحن وخيام بيضاء.

لاحقاً، نشرت القوات الأميركية صوراً لتمرين لوجستي في القاعدة، أظهر شاحنات عسكرية تدخل منشأة محاطة بأسلاك شائكة وطرق ترابية.

وفي أحدث الصور، شوهدت عشرات الهياكل والخيام، مع وجود صناديق بيضاء كبيرة الحجم تتطابق في أبعادها مع حاويات صواريخ بحرية، مصطفة في صفوف مرتبة داخل مخازن الذخيرة.

تمويل متصاعد

تشير وثائق حكومية أميركية إلى زيادة الإنفاق على القاعدة بشكل لافت، إذ خُصص أكثر من 3 ملايين دولار منذ مطلع 2024 لشراء إمدادات ومركبات وخيام ومعدات تشغيلية.

كما أظهرت مقاطع على وسائل التواصل الاجتماعي مشاركة وحدات متخصصة مثل القيادة 364 للدعم الاستكشافي في تشغيل القاعدة وإدارتها.

ولم يقتصر التوسع الأميركي على قاعدة جنكنز وحدها. إذ كشفت صور الأقمار الصناعية ووثائق العقود الحكومية عن إنشاء موقعين لوجستيين إضافيين في مطاري الطائف وجدة غرب السعودية.

ورغم أن هذين الموقعين أصغر وأقل نشاطاً من قاعدة جنكنز، فإنهما يضمان مخازن ذخيرة ووقود، ومناطق مرصوفة قد تُستخدم للسكن أو الدفاع الجوي.

صمت رسمي… ورسائل استراتيجية

رفض مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية التعليق على طبيعة قاعدة جنكنز ودورها في الضربات الأميركية الأخيرة ضد إيران. لكن توسع القاعدة يوجّه رسالة واضحة: واشنطن تستعد لوجود طويل الأمد في المنطقة، مع حرصها على تقليل تعرض قواتها المباشرة للهجمات الإيرانية.

ويقول محللون إن هذه الخطوات تمثل جزءاً من استراتيجية إعادة توزيع القوات الأميركية في الشرق الأوسط، في وقت تتصاعد فيه مخاوف الحلفاء الخليجيين من انسحاب واشنطن التدريجي أو تعرضهم لهجمات إيرانية دون غطاء أميركي كافٍ.

وتوسع القاعدة الأميركية في غرب السعودية يعكس التوتر العميق بين رغبة واشنطن في الانسحاب التدريجي من حروب الشرق الأوسط، وبين الحاجة المتواصلة لاحتواء إيران وتأمين حلفائها.

وفي حين تتسارع خطوات بناء قاعدة جنكنز، يبقى الشرق الأوسط محكوماً بمعادلة حساسة: توازن الردع مع إيران، وحماية خطوط الإمداد الأميركية، وضمان أمن الشركاء الخليجيين، وسط منطقة لا تعرف الهدوء طويلاً.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.