علماء الآثار يكشفون عن حقبة ازدهار اقتصادي في الخليج قبل عصر النفط

قبل أن يتحول النفط إلى العامل الحاسم في رسم ملامح اقتصادات الخليج، كان للتمر الدور الأبرز في تشكيل مسار الازدهار في المنطقة. فقد كشفت دراسة أثرية حديثة عن أن ثلاث قرى في عُمان، بالقرب من الحدود مع الإمارات العربية المتحدة، شهدت فترة ازدهار اقتصادي امتدت لنحو قرنين، من منتصف القرن الثامن عشر وحتى بدايات القرن العشرين، قبل أن تنهار بفعل تحولات الأسواق العالمية.

وركز البحث الأثري على قرى مليينة وغُرَق وسهلات الواقعة على طريق التجارة القديم بين مدينة العين وصحار. ووفق الدراسة التي نُشرت بعنوان “قياس ذروة الاحتلال الإسلامي المتأخر: حالة فلج المعترض العلوي” في كتاب “استكشافات في الآثار الإسلامية”, فإن هذه القرى بلغت ذروتها بين عامي 1750 و1920، خلال ما وُصف بـ”العصر الذهبي”، حيث ازدهرت مع ارتفاع الطلب على التمور من ميناء صحار والمناطق المجاورة.

يقول البروفيسور بليدا دورينغ، أستاذ علم الآثار بجامعة ليدن وأحد معدي الدراسة، إن الهدف من البحث كان فهم “دورات الازدهار والانحدار”، على غرار ما تشهده المنطقة حاليًا من طفرة نفطية. وأضاف: “تشير الأدلة إلى أن هذه الأنماط الدورية من النمو والكساد تكررت مرارًا في تاريخ الخليج”.

ملامح مجتمع مزدهر

أجرت الدكتورة إيريني بييزفيلد، المؤلفة الرئيسية للدراسة وأمينة الآثار في متحف درينتس في هولندا، مسوحات تفصيلية للمستوطنات الثلاث، وجمعت نحو 1500 قطعة فخارية تعود لفترات مختلفة. وتنوعت المكتشفات بين فخار عربي مزجج وغير مزجج، وشظايا مستوردة من أوروبا والصين، إلى جانب عملات معدنية وزجاج. وتشير هذه الأدلة إلى أن القرى لم تكن منعزلة، بل كانت مرتبطة تجاريًا بالمنطقة الساحلية وبالعالم الأوسع.

احتوت القرى على مساكن عديدة، بعضها يضم عشرات البيوت، إضافة إلى مقابر وأنظمة زراعية ومساجد. وقد كشفت المسوحات عن أن قرية غُرَق كانت تضم في ذروة ازدهارها نحو 60 نسمة، بينما بلغ سكان مليينة وسهلات ثلاثة أضعاف ذلك.

إنتاج التمور والمعادن

كان النشاط الزراعي – ولا سيما زراعة النخيل – الأساس الاقتصادي لتلك القرى. ويشير البحث إلى أن الطلب الكبير على التمور من صحار كان سببًا رئيسيًا في توسعها. وقد اعتمدت القرى على نظام فلج معترض العلوي للري، وهو قناة مائية بطول 70 كيلومترًا، تُعد الأطول في شرق الجزيرة العربية.

لكن حياة القرى لم تقتصر على الزراعة. ففي سهلات عُثر على أربعة أكوام من الخبث المعدني، ما يدل على وجود نشاط لإنتاج النحاس على نطاق أوسع مما كان معروفًا سابقًا. كما يُرجح أن سكان القرى تداولوا منتجات أخرى مثل السمن والليمون المجفف والجلود.

وكما هو الحال مع معظم الطفرات الاقتصادية، لم يدم هذا الازدهار طويلًا. فمع أواخر القرن التاسع عشر، بدأت أسواق التمور العالمية تستقبل صادرات أرخص من مناطق أخرى، ما قلل الطلب على تمور صحار والمناطق الداخلية. وبحلول ثلاثينيات القرن العشرين، انهارت الحاجة إلى تمور المنطقة، وتقلصت الموارد المالية اللازمة لتوسيع الزراعة أو الحفاظ عليها. كما زادت الحرب العالمية الأولى من تفاقم الصعوبات الاقتصادية.

وأشارت الدراسة إلى أن التغيرات المناخية ربما لعبت دورًا في هجران القرى، نتيجة صعوبة الحفاظ على إمدادات المياه. ومع انطلاق الطفرة النفطية في الخليج، غادر الكثير من الرجال المنطقة للعمل كعمال مهاجرين في البحرين ودول أخرى، في مشهد يعكس المفارقة بين الماضي والحاضر، إذ تستضيف عُمان اليوم مئات الآلاف من العمال الأجانب.

ويحذر الباحثون من أن المشهد الأثري الذي حفظ ماضي هذه القرى مهدد اليوم بالزوال السريع بسبب التوسع العمراني والبنية التحتية الحديثة. يقول البروفيسور دورينغ: “حتى وقت قريب كنا نعتبر هذه المنطقة مشهدًا محفوظًا للتراث بجودة عالية، لكن فجأة بدأ يختفي بين عشية وضحاها. لذلك سعينا إلى توثيقه بأكبر قدر ممكن قبل أن يختفي كليًا”.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.