تشهد أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى تحولات عميقة مع دخول عصر الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة، حيث لم يعد تقييم هذه الشركات قائماً على نموذج النمو السريع منخفض التكلفة، بل بات مرتبطاً باستثمارات ضخمة وضغوط مالية متزايدة، ما يربك حسابات المستثمرين في الأسواق العالمية.
وتؤكد المعطيات أن المستثمرين يعيدون تسعير أسهم عمالقة التكنولوجيا، لكن دون وضوح كامل بشأن كيفية تقييم هذا التحول، خاصة مع تداخل عوامل جيوسياسية واقتصادية، أبرزها الحرب مع إيران وتأثيرها على أسعار الطاقة والفائدة.
وشهدت الأسواق انتعاشاً مؤقتاً بعد مؤشرات على تهدئة محتملة للصراع، حيث سجل مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” أكبر مكاسبه اليومية منذ أشهر، بينما قفز مؤشر “ناسداك” بنسبة 3.6%، في انعكاس مباشر لحساسية أسهم التكنولوجيا تجاه أي انفراج سياسي.
كما ارتفعت أسهم كبرى الشركات بشكل لافت، حيث صعدت “ميتا” بنسبة 6.7%، و”ألفابت” بنسبة 5.1%، و”أمازون” بنسبة 3.6%، في حين حقق مؤشر “Mag 7” مكاسب جماعية بلغت 4.5% خلال يوم واحد.
لكن هذا الارتفاع يخفي واقعاً أكثر تعقيداً، إذ سجلت هذه الأسهم أداءً سلبياً خلال الربع الأخير، حيث انخفض مؤشر “ستاندرد آند بورز 500” بنسبة 4.6%، بينما تراجعت أسهم “Mag 7” بنحو 13%، ما يعكس حالة عدم الاستقرار التي تسيطر على القطاع.
ويرى محللون أن السبب الرئيسي لهذا التذبذب يعود إلى التحول البنيوي في نموذج عمل شركات التكنولوجيا، التي كانت تعتمد تاريخياً على نموذج “خفيف الأصول”، قائم على البرمجيات والإعلانات الرقمية بتكاليف منخفضة.
أما اليوم، فقد دخلت هذه الشركات مرحلة جديدة تتطلب استثمارات هائلة في البنية التحتية، مثل مراكز البيانات، والطاقة، وأنظمة التبريد، والقدرات الحاسوبية، لدعم تطبيقات الذكاء الاصطناعي المتقدمة.
ويعني هذا التحول أن شركات التكنولوجيا لم تعد شركات برمجيات فقط، بل أصبحت أقرب إلى شركات صناعية ثقيلة من حيث حجم الإنفاق الرأسمالي، وهو ما يغير جذرياً طريقة تقييمها في الأسواق.
ولتغطية هذه التكاليف الضخمة، بدأت الشركات بالاعتماد بشكل متزايد على الاقتراض وإصدار السندات، بدلاً من الاعتماد فقط على السيولة النقدية، ما جعلها أكثر عرضة لتقلبات أسعار الفائدة.
في هذا السياق، أصبحت أسهم التكنولوجيا مرتبطة بشكل وثيق بحركة أسعار الفائدة، حيث يؤدي ارتفاعها إلى زيادة كلفة التمويل، وبالتالي الضغط على تقييمات الشركات، بينما يؤدي انخفاضها إلى دعم الأسعار.
وتتداخل هذه المعادلة مع تأثيرات الحرب، إذ أدى ارتفاع أسعار النفط إلى زيادة توقعات التضخم، ما دفع أسعار الفائدة للصعود، وبالتالي ضغط على أسهم التكنولوجيا، قبل أن تعاود الارتفاع مع تراجع هذه المخاوف.
ويؤكد خبراء أن السوق يعيش حالياً تفاعلاً معقداً بين ثلاثة عوامل رئيسية: أسهم التكنولوجيا، وأسعار النفط، وأسعار الفائدة، وهو ما يجعل حركة السوق أكثر تقلباً وأقل قابلية للتنبؤ.
كما أن هذا التحول يطرح تساؤلات حول استدامة نموذج النمو الحالي، حيث يتطلب الاستثمار في الذكاء الاصطناعي إنفاقاً ضخماً قد لا ينعكس سريعاً على الأرباح، ما يزيد من حذر المستثمرين.
في المقابل، يرى البعض أن هذه المرحلة تمثل فرصة طويلة الأمد، حيث يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفتح آفاقاً جديدة للنمو، لكن بثمن مرتفع على المدى القصير.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74569