رغم مرور شهرين تقريبًا على توقف الحرب بين إيران وإسرائيل، لا يزال سكان طهران يعيشون بين شعور بعودة الحياة الطبيعية وخوفٍ دفين من أن يتجدد الصراع في أي لحظة. فبينما تعود رائحة الزعفران لتملأ ممرات سوق تجريش الشعبي، ويزدحم وسط العاصمة بالمقاهي والمتاجر المفتوحة، يخشى الكثير من الإيرانيين أن يكون هذا السلام مؤقتًا، أو مجرد وهم يخفي وراءه جولة قادمة من المواجهة.
حياة يومية تحت ضغط مستمر
في الأسواق والمقاهي، يحاول الإيرانيون استعادة إيقاعهم المعتاد. تقول فرشته نعيمي (34 عامًا)، صاحبة متجر في تجريش: “نعم، نسافر ونعمل ونستمع إلى الموسيقى، لكنني أتابع الأخبار يوميًا بشغف. يومًا تهدد إسرائيل، ويومًا آخر ترد إيران. نحاول الابتعاد عن السياسة، لكن لا مفر، الكل يتحدث عنها.”
هذا التوتر اليومي يتغذى من الحرب الكلامية المستمرة بين طهران وتل أبيب، ومن الضغوط الاقتصادية التي ما زالت تلاحق الأسر، فضلًا عن الإجراءات الأمنية المشددة في شوارع العاصمة.
صدمة الانفجارات وذاكرة الثمانينيات
عندما استيقظ سكان طهران في 13 يونيو/حزيران على دوي انفجارات هائلة ضربت قلب العاصمة، استعاد كثيرون ذكريات حرب الثمانينيات مع العراق. يقول حسين جافانزاده (63 عامًا)، سائق أجرة: “أشعر وكأننا عدنا إلى الثمانينيات. وقتها توقف الجميع عن شراء المنازل، واحتفظوا بأموالهم بالدولار والذهب. اليوم الوضع نفسه. لا أحد يعرف ما سيحدث غدًا.”
الضربات الإسرائيلية أربكت الدفاعات الجوية الإيرانية، لكنها أيضًا أصابت نفسية المواطنين واقتصادهم. ارتفع التضخم الغذائي بنسبة 50%، واختفت بعض السلع الأساسية، فيما تجاوز سعر الدولار حاجز الـ900 ألف ريال.
عودة حذرة ومخاوف اقتصادية
مع انقضاء المعارك، عاد السكان تدريجيًا إلى بيوتهم، لكن الأسعار بقيت مرتفعة، وتراجع سوق العقارات بشكل ملحوظ. الخوف من جولة جديدة جعل كثيرين يحجمون عن الاستثمار طويل المدى.
الحكومة حاولت ضبط الأسعار ومنع الاضطرابات، لكن نتائجها محدودة. فالخبز والأرز تضاعف ثمنهما، بينما ارتفع سعر الذهب بشكل قياسي، ما يعكس فقدان الثقة بالعملة المحلية.
غموض نووي ورسائل مزدوجة
الملف النووي يمثل بدوره معادلة مقلقة. فقد تعرضت منشآت نطنز وفوردو لقصف إسرائيلي وأمريكي، ما أبطأ التخصيب لكنه لم يوقفه. وتؤكد طهران أنها خزّنت مسبقًا 400 كيلوغرام من اليورانيوم عالي التخصيب، بينما تمنع وسائل الإعلام من الوصول إلى المواقع المتضررة.
يرى المراقبون أن هذا “الغموض الاستراتيجي” يمنح إيران وقتًا لإعادة بناء برنامجها، لكنه أيضًا يفاقم الشكوك الدولية. الصحفي الإيراني أمير جابر يصف الموقف بقوله: “إيران تمارس لعبة ملاكمة خفية. تقول إنها صمدت، لكنها تخفي جراحها. الرسالة للغرب: تعالوا للحوار، لكن لا تتوقعوا الاطلاع على كل شيء.”
تعديلات سياسية وعسكرية
على المستوى السياسي، تحاول القيادة الإيرانية إظهار الصمود. فقد ألقى المرشد الأعلى خطابه الأخير واقفًا كرمز للبقاء، فيما توقفت هيئة الإذاعة والتلفزيون عن برامج الحرب وعادت للبث المعتاد. كما يُنظر إلى غياب “الشرطة الأخلاقية” في الشوارع كخطوة لامتصاص الغضب الداخلي وجمع الأصوات تحت لواء الوحدة الوطنية.
عسكريًا، أنشأت طهران “المجلس الأعلى للدفاع الوطني” برئاسة الرئيس مسعود بزشكيان، في إشارة إلى إعادة هيكلة القيادة الأمنية. وأعيد تعيين علي لاريجاني رئيسًا للمجلس الأعلى للأمن القومي لتعزيز التنسيق في حال اندلاع مواجهة جديدة.
سلامٌ مؤقت أم استراحة محارب؟
رغم هذه الجهود، تبقى المخاوف قائمة. فإيران فقدت عددًا غير مسبوق من كبار قادتها العسكريين، ما فرض تغييرًا في الخطاب الرسمي من النبرة النارية المعادية لإسرائيل إلى خطاب أكثر براغماتية يجمع بين التحدي والمرونة.
النائب الأول للرئيس، محمد رضا عارف، لخّص الموقف بقوله هذا الأسبوع: “لسنا في حالة وقف إطلاق نار، بل في حالة وقف للأعمال العدائية. يجب أن نكون مستعدين للمواجهة في كل لحظة.”
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=72425