في مؤشر يثير القلق بشأن قوة الزخم الاقتصادي لرؤية السعودية 2030، أعلن صندوق الاستثمارات العامة السعودي، أحد أكبر الصناديق السيادية في العالم، عن تراجع صافي أرباحه بنسبة 60% خلال عام 2024 مقارنة بالعام السابق، ليبلغ 25.8 مليار ريال سعودي (نحو 6.9 مليار دولار)، بعد أن سجل أرباحاً صافية بلغت 64.5 مليار ريال في 2023.
وأوضح الصندوق في بيان رسمي صدر اليوم، أن الانخفاض الحاد في الأرباح يعود بشكل رئيسي إلى تعديلات في الخطط التشغيلية لبعض مشاريعه الكبرى، إلى جانب زيادات ملموسة في التكاليف المقدّرة لتنفيذ مشاريع التنمية والبنية التحتية التي يقودها الصندوق في إطار رؤية 2030.
مشاريع ضخمة وتكاليف تتصاعد
وقال الصندوق إن “التراجع في صافي الأرباح يعكس التأثير المؤقت للتوسع في الإنفاق الرأسمالي المرتبط بعدد من المشاريع الاستراتيجية التي يجري تنفيذها حالياً، والتي من المتوقع أن تساهم في تعزيز العائدات على المدى الطويل.”
ويأتي هذا التراجع في وقت يشهد فيه الصندوق اندفاعاً قوياً نحو الاستثمار في مشاريع كبرى مثل مدينة نيوم العملاقة، ومشروع “ذا لاين” المستقبلي، إضافة إلى مشاريع في مجالات الطاقة المتجددة، والسياحة، والترفيه، والبنية التحتية.
وأشار الصندوق إلى أن بعض هذه المشاريع خضعت لمراجعات وتعديلات في الجداول الزمنية وخطط التنفيذ، ما رفع من الكلفة التشغيلية والمالية المرتبطة بها. وأضاف البيان: “نظل ملتزمين بتحقيق أهداف رؤية 2030، ونثق بأن هذه الاستثمارات ستُترجم إلى عوائد مجزية على المدى المتوسط والطويل.”
تحديات اقتصادية وضغوط عالمية
ويرى خبراء اقتصاديون أن انخفاض أرباح الصندوق يعكس أيضاً الضغوط الاقتصادية العالمية التي أثرت على بيئة الاستثمار وأسعار الأصول، خصوصاً في ظل ارتفاع معدلات الفائدة العالمية، وتباطؤ النمو الاقتصادي في العديد من الأسواق الرئيسية.
وقال المحلل المالي السعودي، أحمد المانع، في حديث إلى إحدى وكالات الأنباء: “صندوق الاستثمارات العامة استثمر بكثافة في قطاعات متنوعة داخل وخارج المملكة، لكن ظروف الأسواق العالمية لم تكن مواتية بالكامل في 2024. ارتفاع تكاليف التمويل وضع ضغوطاً إضافية على بعض المشاريع.”
وأضاف المانع: “هذا لا يعني أن الصندوق في مأزق، لكنه مؤشر مهم إلى أن التوسع الاستثماري الهائل يحتاج إلى إدارة أكثر دقة للتكاليف والمخاطر، خصوصاً في ظل الاعتماد على مشاريع ذات رؤوس أموال ضخمة وفترات استرداد طويلة.”
التزامات مالية ضخمة
ويواصل الصندوق، الذي تبلغ أصوله نحو 700 مليار دولار، التزامه بضخ استثمارات ضخمة لدعم تحول اقتصاد المملكة بعيداً عن الاعتماد على النفط، وهو ما يشكل جوهر رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، الرامية إلى تنويع مصادر الدخل وخلق فرص عمل جديدة.
لكن هذه التوسعات تأتي بتكلفة عالية، إذ يتطلب تمويل المشاريع الكبرى تدفقات نقدية ضخمة، ما يجعل الصندوق عرضة للتقلبات في الأسواق العالمية، وتذبذب أسعار السلع الأساسية، إضافة إلى تحديات ارتفاع التكاليف.
وبحسب الصندوق، فقد زادت النفقات التشغيلية والمصروفات الرأسمالية خلال 2024 بنحو 30% مقارنة بالعام السابق، وهو ما انعكس سلباً على صافي الأرباح.
المدى الطويل… الرهان الأهم
رغم التراجع الحاد في الأرباح، أكد الصندوق في بيانه أنه لا يزال ملتزماً بتحقيق عوائد قوية ومستدامة، مشيراً إلى أن انخفاض الأرباح في 2024 يُعتبر “ظرفياً ومؤقتاً” نظراً لطبيعة استثماراته طويلة الأجل.
وأضاف الصندوق: “نحن نواصل الاستثمار في قطاعات واعدة لتحقيق تأثير اقتصادي إيجابي في المملكة، وسنظل نقيّم محفظتنا الاستثمارية لضمان تحقيق أفضل العوائد الممكنة.”
وتراقب الأسواق والمحللون أداء الصندوق عن كثب، لما له من دور محوري في تمويل مشاريع رؤية 2030، وأثر كبير على استقرار الاقتصاد السعودي.
ويرى مراقبون أن قدرة الصندوق على إدارة تكاليف مشاريعه العملاقة والتكيف مع التحديات الاقتصادية العالمية ستظل العامل الحاسم في تحديد مسار أرباحه خلال السنوات المقبلة، ومدى تحقيقه لأهداف التحول الاقتصادي الطموح للمملكة.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=71812