صراع النفوذ الصامت: كيف يهدد الخلاف السعودي الإماراتي بإعادة تشكيل خريطة الشرق الأوسط؟

أصبح الخلاف بين السعودية والإمارات أكثر وضوحاً على الساحة الدولية، بعد سنوات من التوترات المتصاعدة التي انتقلت من مرحلة المنافسة الهادئة إلى صراع استراتيجي مفتوح على ملفات الاقتصاد والأمن والسياسة الإقليمية.

ووفق تحليل نشرته مجلة فورين أفيرز الأمريكية، فإن هذا الخلاف لا يقتصر على خلافات تكتيكية حول أزمات إقليمية مثل اليمن أو السودان، بل يعكس تحولات عميقة في رؤية كل دولة لدورها في الشرق الأوسط خلال العقد المقبل.

وقد بدأت ملامح التوتر العلني بالظهور عندما اتهمت وسائل إعلام سعودية الإمارات بالعمل على “الاستثمار في الفوضى” في شمال أفريقيا والقرن الأفريقي، بل ووصفتها بأنها تتحرك كأداة لخدمة المصالح الإسرائيلية في المنطقة، بينما اختارت أبوظبي عدم الرد علناً، في مؤشر على حساسية الصراع الجاري خلف الكواليس.

ويرى محللون أن جوهر الخلاف يعود إلى التحول الكبير الذي تقوده السعودية عبر رؤية 2030، وهي الخطة الطموحة التي تهدف إلى تحويل المملكة إلى مركز عالمي للأعمال والاستثمار والسياحة، ما يعني عملياً تحدي الهيمنة الاقتصادية التي بنتها الإمارات خلال العقود الماضية في قطاعات التمويل والخدمات اللوجستية والتجارة والسياحة.

وتشير التجربة التاريخية إلى أن الإمارات نفسها صعدت إلى هذا الموقع عندما تجاوزت البحرين قبل عقود كمركز مالي وتجاري رئيسي في الخليج.

ورغم أن احتمال تحول الخلاف إلى مواجهة عسكرية مباشرة يبدو ضعيفاً، إلا أن الصراع يتخذ شكل منافسة اقتصادية داخلية ومعارك نفوذ غير مباشرة عبر أزمات إقليمية.

ويعتقد خبراء أن هذا التنافس سيحدد شكل العلاقات الأمنية مع الغرب، وطبيعة الاستثمارات الدولية في المنطقة، ومسار الصراعات في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.

وقد كانت العلاقة بين الرياض وأبوظبي قوية خلال السنوات الأولى من صعود ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، حيث اتفقت الدولتان على مواجهة النفوذ الإيراني، ودعمتا حملة الضغط الأقصى الأمريكية ضد طهران، وشاركتا في حصار قطر عام 2017.

لكن مع مرور الوقت، بدأت هذه الجبهة المشتركة تتفكك، خاصة بعد فشل بعض السياسات الإقليمية، مثل الضغط على إيران أو عزل قطر.

وبدأت السعودية منذ عام 2021 إعادة صياغة سياستها الخارجية، حيث عملت على تحسين علاقاتها مع إيران وقطر وتركيا، وركزت على تحقيق الاستقرار الإقليمي لجذب الاستثمارات الأجنبية اللازمة لتنفيذ رؤية 2030.

وترى الرياض أن الصراعات الإقليمية الممتدة تهدد طرق التجارة وتثير مخاوف المستثمرين، ما يضر بأهدافها الاقتصادية الكبرى.

في المقابل، لم تغير الإمارات بشكل كبير من أولوياتها الاستراتيجية التي تركز على توسيع نفوذها الإقليمي ومنع صعود التيارات المرتبطة بالإسلام السياسي، ما خلق فجوة متزايدة في طريقة تعامل البلدين مع ملفات مثل السودان وسوريا واليمن وإسرائيل.

ففي السودان، دعمت السعودية الجيش السوداني، بينما اتهمت أطراف دولية الإمارات بدعم قوات الدعم السريع، رغم نفي أبوظبي لذلك.

وفي سوريا، تميل السعودية إلى دعم الاستقرار وإعادة الإعمار، بينما تبدي الإمارات تحفظاً أكبر تجاه القيادة السورية الجديدة.

كما تختلف مواقف البلدين تجاه إسرائيل، حيث عززت الإمارات علاقاتها الاقتصادية والأمنية مع تل أبيب، بينما تربط السعودية أي تطبيع بإقامة دولة فلسطينية.

وبلغ التوتر ذروته في اليمن، حيث اندلعت اشتباكات بين فصائل مدعومة من الرياض وأخرى مرتبطة بأبوظبي، في مؤشر على تحول التحالف السابق إلى منافسة ميدانية.

ويبرز البعد الاقتصادي كأحد أهم ساحات الصراع، حيث تسعى السعودية إلى جذب الشركات متعددة الجنسيات لنقل مقارها الإقليمية إلى الرياض، وفرضت قيوداً تنظيمية وجمركية أثرت على الشركات العاملة في المناطق الحرة الإماراتية.

كما تستثمر المملكة بقوة في التعدين والصناعة والسياحة الدينية والقطاعات الإنتاجية الكبرى مستفيدة من حجمها الجغرافي والسكاني ومواردها الطبيعية.

في المقابل، تحتفظ الإمارات بميزة تنافسية في مجالات الخدمات المالية والطيران والتكنولوجيا واللوجستيات، إضافة إلى مرونة بيئتها الاستثمارية وتنوع اقتصادها الذي يعتمد بنسبة أقل على النفط مقارنة بالسعودية.

ويرى مراقبون أن احتواء هذا التنافس لا يزال ممكناً عبر التعاون في بعض القطاعات أو تنسيق المواقف في مناطق الصراع، لكن الاتجاه العام يشير إلى تصاعد المنافسة.

ويحذر خبراء من أن انحياز القوى الغربية لأحد الطرفين قد يؤدي إلى تعقيد المشهد الإقليمي، بل وربما يدفع بعض القوى الخليجية إلى توسيع علاقاتها مع الصين إذا شعرت بتراجع مكانتها.

ويخلص التحليل إلى أن مستقبل العلاقة بين السعودية والإمارات سيعتمد بشكل كبير على قدرة قيادتي البلدين على إدارة التنافس دون تحويله إلى صراع مفتوح، خاصة أن استقرار العلاقة بينهما يمثل أحد العوامل الحاسمة في استقرار الشرق الأوسط خلال السنوات القادمة.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.