أعاد حديث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن ضرورة المشاركة في اختيار الزعيم الإيراني القادم إلى الواجهة تاريخاً طويلاً من التدخلات الأمريكية في شؤون الدول الأخرى، وهو سجل يمتد لعقود وشهد حالات متعددة دعمت فيها واشنطن تغيير حكومات أو تنصيب قادة أجانب يخدمون مصالحها السياسية والاقتصادية.
وقال ترامب في تصريحات صحفية إنه ينبغي أن يكون له دور في تحديد من سيتولى قيادة إيران بعد مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي، في إشارة أثارت جدلاً واسعاً حول طبيعة السياسة الخارجية الأمريكية.
وأضاف الرئيس الأمريكي أن نجل خامنئي، مجتبى خامنئي، هو الخليفة الأكثر احتمالاً، لكنه أعرب عن رفضه لهذا السيناريو، وهو ما ردت عليه طهران بإعلان مجتبني لمنصب المرشد رسميا.
وتعكس تصريحات ترامب توجهاً أكثر صراحة في استخدام القوة العسكرية والنفوذ السياسي لتغيير الأنظمة في الخارج، وفق مراقبين.
فخلال الأشهر الأخيرة، كثفت الإدارة الأمريكية تحركاتها في ملفات دولية حساسة، من بينها فنزويلا وكوبا، إلى جانب المواجهة العسكرية مع إيران.
ويرى محللون أن هذه التحركات تشير إلى أن التدخل المباشر في شؤون الدول الأخرى أصبح جزءاً أساسياً من الاستراتيجية الأمريكية الحالية.
لكن الولايات المتحدة ليست جديدة على هذا النوع من السياسات، إذ وفق دراسة أكاديمية نشرت عام 2016، تدخلت واشنطن في ما لا يقل عن 81 انتخابات خارجية بين عامي 1946 و2000، في محاولة للتأثير على نتائجها أو دعم قوى سياسية بعينها.
كما دعمت الولايات المتحدة خلال القرن العشرين العديد من الانقلابات العسكرية أو العمليات السرية التي أدت إلى تغيير حكومات في دول مختلفة حول العالم.
ويعد الانقلاب الذي أطاح برئيس الوزراء الإيراني المنتخب محمد مصدق عام 1953 من أبرز الأمثلة على التدخل الأمريكي المباشر في تغيير الأنظمة.
فقد قادت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بالتعاون مع الاستخبارات البريطانية عملية سرية أطاحت بمصدق بعد أن قام بتأميم صناعة النفط الإيرانية.
وتكشف وثائق رفعت عنها السرية أن الهدف من العملية كان استبدال حكومة مصدق بحكومة موالية للغرب بقيادة الشاه محمد رضا بهلوي، مع تعيين فضل الله زاهدي رئيساً للوزراء.
وبعد نجاح الانقلاب، عاد الشاه إلى السلطة بدعم أمريكي، في خطوة اعتبرها مؤرخون نقطة تحول في تاريخ إيران الحديث.
ويرى بعض الباحثين أن الدافع الأساسي وراء الانقلاب لم يكن فقط مواجهة النفوذ السوفيتي، بل أيضاً حماية المصالح النفطية الغربية في إيران.
وبعد عام واحد فقط، قادت وكالة المخابرات المركزية عملية أخرى للإطاحة بالرئيس المنتخب ديمقراطياً في غواتيمالا، جاكوبو أربينز.
وجاء الانقلاب بعد أن أطلق أربينز إصلاحات زراعية شملت إعادة توزيع الأراضي، وهو ما اعتبرته الولايات المتحدة تهديداً لمصالح شركة “يونايتد فروت” الأمريكية التي كانت تملك مساحات واسعة من الأراضي في البلاد.
وأدت العملية، التي عرفت باسم “PBSuccess”، إلى وصول العسكري كارلوس كاستيلو أرماس إلى السلطة بدعم أمريكي.
ولم تتوقف التدخلات الأمريكية عند هذه الحالات. فخلال الحرب الباردة، دعمت واشنطن العديد من الانقلابات أو العمليات السرية في دول أمريكا اللاتينية.
ومن أبرز هذه الحالات ما حدث في تشيلي عام 1973 عندما أطيح بالرئيس الاشتراكي المنتخب سلفادور أليندي في انقلاب عسكري.
وقد كشفت وثائق لاحقة أن إدارة الرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ووكالة المخابرات المركزية أنفقت ملايين الدولارات لدعم جهود إسقاط حكومة أليندي.
كما تورطت الولايات المتحدة في عمليات مشابهة في دول مثل البرازيل وجمهورية الدومينيكان وهندوراس وكوبا.
وفي أفريقيا، لعبت الولايات المتحدة دوراً في الأحداث التي أدت إلى اغتيال باتريس لومومبا، أول رئيس وزراء منتخب لجمهورية الكونغو بعد استقلالها.
وقد شجعت وكالة المخابرات المركزية قوى سياسية وعسكرية داخل البلاد على التحرك ضد حكومته، في إطار الصراع العالمي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي خلال الحرب الباردة.
وغالباً ما بررت واشنطن تدخلاتها الخارجية خلال القرن العشرين بمواجهة انتشار الشيوعية. لكن عدداً من الباحثين يشيرون إلى أن المصالح الاقتصادية لعبت دوراً مهماً في هذه التدخلات.
ففي كثير من الحالات، كانت الشركات الأمريكية أو المصالح النفطية والتجارية جزءاً من الحسابات التي دفعت الولايات المتحدة إلى دعم تغيير الحكومات في الخارج.
اليوم، ومع حديث ترامب عن احتمال المشاركة في اختيار القيادة الإيرانية الجديدة، يعود الجدل القديم حول حدود التدخل الأمريكي في شؤون الدول الأخرى.
ويرى مراقبون أن مثل هذه التصريحات تعكس استمرار النهج التقليدي للسياسة الأمريكية القائم على السعي للتأثير في تشكيل الأنظمة السياسية في مناطق مختلفة من العالم.
في المقابل، يبرر مؤيدو هذه السياسات بأنها جزء من استراتيجية لحماية المصالح الأمريكية وتعزيز الاستقرار الدولي.
لكن في ظل الحرب الدائرة مع إيران وتصاعد التوترات الإقليمية، يبدو أن هذا الجدل مرشح للتصاعد مجدداً في الساحة السياسية الدولية.
الرابط المختصر https://gulfnews24.net/?p=74289