زيارة أردوغان إلى السعودية تعزز تقارب المصالح في ملفات السياسة الخارجية والأمن القومي

سلّط اللقاء الذي جمع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بولي العهد السعودي محمد بن سلمان، خلال زيارة أردوغان التي استمرت يومين إلى السعودية، الضوء على تنامي تقارب المصالح بين أنقرة والرياض في ملفات السياسة الخارجية والأمن القومي، بالتوازي مع دفع قوي نحو توسيع الشراكة الاقتصادية ورفع حجم التبادل التجاري إلى 30 مليار دولار على المدى المتوسط.

واختتم أردوغان زيارته يوم الأربعاء متوجهًا بعدها إلى مصر، بعد محادثات رفيعة المستوى رافقه فيها وفد وزاري واسع ضم وزير الخارجية هاكان فيدان، ووزير الطاقة ألب أرسلان بيرقدار، ووزير المالية محمد شيمشك. وناقش الجانبان قضايا تتراوح بين تعزيز العلاقات الثنائية والتنسيق في ملفات إقليمية ملتهبة.

وتأتي الزيارة في سياق إقليمي شديد الاضطراب، يدفع كلًا من تركيا والسعودية إلى تنسيق أوثق في مواجهة تداعيات عدم الاستقرار الممتد من اليمن إلى القرن الأفريقي. ويبرز تقاطع واضح في دعم البلدين لنموذج «الدولة المركزية» بوصفه صمام أمان إقليميًا.

في اليمن، تدعم أنقرة والرياض الحكومة المعترف بها دوليًا في مواجهة المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من دولة الإمارات، والذي يسعى إلى حكم ذاتي في الجنوب.

وفي الصومال، أدان البلدان اعتراف إسرائيل بإقليم أرض الصومال الانفصالي، معتبرين الخطوة تهديدًا لوحدة الدولة الصومالية.

كما يتقاطع موقفهما في السودان، حيث يدعمان القوات المسلحة والمؤسسات الرسمية في مواجهة قوات الدعم السريع، وسط اتهامات للإمارات بدعم هذه القوات، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي. ويكتسب هذا الملف أهمية خاصة للرياض في ظل حرصها على حماية مصالحها الاستراتيجية في البحر الأحمر.

ويرى الأكاديمي التركي غوكهان إيرلي أن أنقرة والرياض تسعيان إلى احتواء تداعيات الفوضى الإقليمية، وتقديم نفسيهما بوصفهما «حماة للوضع القائم». وأضاف أن تعميق التوافق الاستراتيجي قد يمهّد لأطر أمنية أوسع، حتى إن لم تصل في المدى القريب إلى تحالف دفاعي رسمي يضم دولًا مثل باكستان.

وإلى جانب الأمن، شكّل الاقتصاد ركيزة أساسية في زيارة أردوغان. ويأمل البلدان في رفع حجم التبادل التجاري من مستواه الحالي البالغ 6.5 مليارات دولار، بزيادة فورية قدرها 10 مليارات، وصولًا إلى هدف طموح عند 30 مليار دولار.

وتُصدّر تركيا إلى السعودية سلعًا بقيمة تقارب 4 مليارات دولار تشمل الآلات والمركبات والإلكترونيات، بينما تستورد نحو 3 مليارات دولار، معظمها من المواد الكيميائية والبلاستيك ومدخلات الطاقة.

وشارك أكثر من 700 من قادة الأعمال في منتدى الأعمال العربي–التركي الذي عُقد على هامش الزيارة، في محاولة لتعزيز اتفاقيات استثمارية وُقعت عام 2023، مع بحث استكمال اتفاقية تجارة حرة.

وخلال المنتدى، وصف وزير الاستثمار السعودي خالد الفالح العلاقة الثنائية بأنها «شراكة استراتيجية»، في إشارة إلى انتقال التعاون من الطابع الظرفي إلى المؤسسي.

ويأتي الانفتاح السعودي على تركيا في وقت تواجه فيه رؤية السعودية 2030 ضغوطًا مالية نتيجة ارتفاع كلفة المشاريع العملاقة وتذبذب إيرادات النفط، ما يجعل تركيا خيارًا جذابًا بفضل قاعدتها الصناعية التنافسية ونفاذها إلى الأسواق الأوروبية.

في المقابل، تمثل السعودية مصدرًا مهمًا لرأس المال طويل الأجل لتركيا، التي تعاني تضخمًا تجاوز 30% سنويًا وتحتاج إلى تدفقات استثمارية لتحقيق الاستقرار.

وفي المجال الدفاعي، واصل البلدان البناء على شراكة متسارعة منذ توقيع الرياض صفقة كبرى مع شركة بايكار في يوليو/تموز 2023 لشراء طائرات «بيرقدار» المسيّرة، تلتها اتفاقية عام 2024 للإنتاج المحلي ونقل التكنولوجيا. وتُعد هذه الصفقة الأكبر في تاريخ الصادرات الدفاعية التركية، ما يعكس الأهمية الاستراتيجية للسوق السعودية.

وبحسب مراقبين، فإن هذا التقارب الأمني–الاقتصادي المتوازي يشير إلى إعادة تموضع مدروسة في علاقات أنقرة والرياض، عنوانها الشراكة بعيدة المدى في عالم يتسم بتزايد التنافس وعدم اليقين.

قد يعجبك ايضا
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.